Quantcast

أزمة حجب الأعداد : أيا كان المنتصر فالمنهزم هو المدرسة العمومية لصالح التعليم الخاص ! بقلم عبدالسلام الككلي

أزمة حجب الاعداد : أيا كان المنتصر فالمنهزم هو المدرسة العمومية لصالح التعليم الخاص ! بقلم عبدالسلام الككلي

خلاف خطير جدا حول حجب الاعداد بين الأساتذة من جهة ووزير التربية من جهة أخرى. ويتدخل نواب المجلس النيابي و الأولياء خاصة في هذا الجو المشحون فضلا عن الاعلام الذي يساهم في عملية الإصطفاف مع هذا ضد الآخر ويضاعف في توتير الأجواء. هذا مع الوزارة يعتقد أن وزير التربية له كامل الحق في تطبيق القانون والوصول الى قطع أجور الأساتذة دفاعا عما يعتبرونه هيبة الدولة فهو مطالب بكسرة شوكة المربين الخارجين عن القانون ومنه القانون الداخلي للاتحاد نفسه ، فالوزير لم يخضع الى مطالبهم المعنوية المادية المجحفة والتي تتعارض مع إمكانات الدولة التي تعاني عجزا ماليا تجاوز كل طاقاتها فضلا عن ان البعض منها لا يدخل ضمن دائرة اختصاصه وصلاحياته بل هو من مشمولات نظر الحكومة كمسالة التقاعد . والآخر يرى أن النقابة من خلال تحركاتها الأخيرة تدافع عن مطالب مشروعة دفاعا يكفله القانون والدستور… لن نتوقف كثيرا عند تفاصيل الخلاف الاخير بين المدرسين ووزارة الإشراف فهو الجانب الظاهر من جبل الجليد القاتل . فليس ذلك ما يهمنا هنا. ما يهمنا في هذا المقال هو الجو المشحون الذي تعيشها مؤسساتنا التربوية والذي زاده استفحالا التلويح بتوقيف الدروس مرة واحدة بداية من 17 افريل احتجاجا على رفض الوزارة مبدا التفاوض غير المشروط .

ضرورة المصارحة

فلنصارح بعضنا البعض للحظة واحدة ونقول ان مدرستنا العمومية وصلت الى الدرك الأسفل من الانحطاط فالتكوين والامتحانات والتقييم لدينا صارت أشبه بأكذوبة كبرى لا يعلمها غير من يعرفون الحال الذي وصل إليه نظامنا التعليمي. فعن أي تكوين او تقييم يتحدث البعض؟ تلاميذنا (إلا أولئك الذين يدفع أولياؤهم من جيوبهم لتعليمهم خارج مقاعد الدراسة بواسطة الدروس الخصوصية التي يسبها الجميع ويتكالب عليها الجميع) في أكثر الأحيان لا يأخذون ولا يعطون، يسمعون ولا يتكلمون، نحشو رؤوسهم بالمعلومات دون أن يعالجوها بفكرهم أو يمارسوا الحديث عنها أو يعبروا عن آرائهم فيها ومواقفهم منها ويسعون لتطبيقها خارج جدران الدراسة. مدارسنا لا تطور عقول الناشئة ولا تحسّن لغتهم بل يكاد المرء يعتقد أنها في أكثر الأحيان تبلد أذهانهم. نعرف ذلك بالتجربة من خلال المستوى اللغوي الذي نعاينه من الابتدائي إلى الجامعة . نشعر سنة بعد أخرى بقصور لغة متعلمينا في جميع المستويات قصورا مثيرا للحيرة حقا. فاللغة التي يدرسونها لا أثر لها في حياتهم، لا اللغة العربية ولا الأجنبية حتى يعترينا الشك حقا في جدوى تدريس اللغات الأجنبية في الأقسام الأولى للابتدائي. لقد ذهب التكوين والتقييم أدراج الرياح منذ سنوات وخاصة في الإبتدائي بدعوى إجبارية التعليم إلى سن الخامسة عشرة. لقد أصبح الإرتقاء قاعدة نظامنا التعليمي وهو لا يقوم في كثير من الأحيان لا على التعليم ولا على التكوين ولا على التقييم بل على إستبقاء التلاميذ في المدارس إنفاذا لمبدأ عظيم أفسدنا كل مضامينه وهو إلزامية المدرسة إلى حد بلوغ سن المراهقة. لم يعد للتقييم ولا للامتحانات من قيمة تذكر إلا في بعض المحطات الحقيقة التي ينتقى فيها المتفوقون الذين يمثلون بعد ذلك النخبة التي تحوز أفضل الأماكن في الجامعة مثل مناظرة « السيزيام » غير الإجبارية والتي تقود نسبة ضئيلة جدا من التلاميذ إلى المدارس النمودجية والتي يذكرني النجاح فيها بالنجاح في ما كان يسمى « الشهادة  » في أول سنوات الاستقلال والى حدود الستينات. الكثير من التونسيين لا يعلمون أننا أصبحنا في تونس نملك تعليما بسرعتين واحدة تمثلها المدارس النموذجية وفيها يكون التقييم حقيقيا وصارما ويطلب 12 من عشرين كمعدل للنجاح. والأخرى، التلاميذ متروكون فيها للفوضى والرداءة يتلقون فيها تعليما بائسا ويمرون من درجة إلى أخرى دون استحقاق وبواسطة الإسعاف الذي تحول إلى الشكل السائد في إسناد النجاح. ينجح تلاميذنا دون تقييم حقيقي ويدخلون إلى الجامعة بمستوى هزيل جدا ويتخرجون منها بمستوى لا يقل هزالا لتستقبلهم البطالة واليأس بعد ذلك. ما أثارني في هذه الأزمة بعيدا عن سذاجة العواطف وروح الحسرة الجياشة على إمكانية ضياع الامتحانات والوصول الى سنة بيضاء هذه السنة والملبتسة في كثير من الأحيان بمواقف سياسية ووجهة نظر متحيزة ضد العمل النقابي والاتحاد العام التونسي للشغل ليس خراب سنة واحدة بل خراب المدرسة العمومية كلها جملة وتفصيلا. الأزمة الحقيقية التي نعيشها حقا ليس شبح سنة بيضاء فقط بل في نتائج المستقبلية لهذه اللغة الحربية العدائية التي أشرت إليها والتي يشترك الجميع فيها ضد الجميع .

المدرسة التونسية أسيرة انقطاع الحوار والعنف المعنوي المتبادل

فهذا وزير التربية يتشدد في موقفه ويهدد بقطع الأجور وهو يعلم علم اليقين انه غير قادر عمليا على ذلك لان الاقتطاع يحتاج الى تفاصيل تقنية وإدارية لا يمكن ان يمتلكها وهؤلاء هم الأساتذة يجتمعون مرة بعد أخرى في حشود قل نظيرها في تاريخ الإحتجاجات النقابية ويرفعون أمام الوزارة من الشعارات أحيانا او يكتبون على صفحاتهم في مواقع التواصل الاجتماعي ما لا يليق بالعمل النقابي مما يشير بلا شك إلى نقص فادح في التكوين. النقابات تؤطر احتجاجات منظوريها وتختار شعاراتهم بدقة. فالشعار اختزال للمطلب وتعبير عن درجة الوعي. ولا أريد هنا أن أنشر بعض هذه الشعارات التي رفعها الأساتذة او كتبوها فهي مؤسفة ومحيرة وركيكة وذات شحنة تصل إلى درجة اللا أخلاقية. لا شك أن هذا الجو من العدائية من كل الأطراف تقريبا مرتبط بشكل مباشر وفوري بالظروف التي نعيشها ولكنه يتجاوز الظرف الحالي بشكل من الأشكال لأنه يشير الى الخراب الوشيك ان لم يكن ذلك الخراب قد حل بيننا بعد لكثير من القيم التي عشنا عليها ومنها تقديرنا وحبنا للمعلم و الأستاذ إلى درجة التقديس بلا أية مبالغة أو تضخيم أو لغة خشبية. كان الواحد منا إذا رأى معلمه في الشارع يختفي من أمامه رهبة وإجلالا. ولكن بمحبة لا حدود لها. فمعلمونا وضعوا في قلوبنا الرهبة منهم لصرامتهم في دفعنا إلى المثابرة والاجتهاد وعدم التسامح مع المتقاعسين منا ولكن وضعوا أيضا حبا صادقا تضطرب به جوانحنا إلى اليوم وعلى الدوام حتى بعدما صرنا نحن أيضا معلمين أوأساتذة . ما نخشاه حقا هو أن يؤثر ذلك على أذهان الناس وعقولهم بالطريقة ذاتها وبالشدة ذاتها في مستقبل الأيام. فعملية التعبئة والتجييش التي تمارس ضد الأستاذ الذي هو بلا شك طرف فيها ومسؤول عنها سيكون لها أسوأ النتائج على المناخ العام في مدارسنا. وهذا ما يجعلنا نرى أن هذه اللغة العنيفة السائدة اليوم والتي أشرنا إليها من كل الأطراف أولياء وأساتذة ووزارة هي بلا شك أخطر بكثير من إمتحان لم يقع في وقته. إن ارتباط مستقبل المدرسة بصورة المعلم او الأستاذ هو ارتباط يتجاوز بكثير مصير سنة دراسية رغم أهمية ذلك بلا شك ، إنه ارتباط كثيرا ما لا نراه لأنه ارتباط من الدرجة الثانية. إنه ارتباط رمزي. نحن الآن بصدد تخريب الرأسمال المعنوي الحقيقي الذي صنعته تونس والتي كانت تجعل من المعلم والاستاذ عنوان الحلم الجماعي ومدخلنا إلى المستقبل. لقد شكلت صورة المربي طوال عقود مخيال التونسسين خاصة من كانوا في عمري من جيل الستينات وتحكمت بتصوراتهم حول التعليم والمدرسة. لا أعتقد أن التفاصيل التقنية التي أثارت الأزمة تمثل مشكلة لا حل لها : المشكلة الأخطر هو أن ينزل المربي في علاقته بالوزارة وبالاولياء إلى مستوى متدنّ ويخرب معاني المربي فيه، وأن يتحول الأولياء إلى أعداء للمربين وأن تضحي الوزارة بصورة الاساتذة هي أيضا . لم يعد هناك لدى الوزارة غير لغة الوعيد التي ربما ستخرج علينا بها قريبا بشكل أكثر فداحة إذا لم يتوفق الفرقاء في إيجاد حل للأزمة والتي قد تقود إلى انقطاع الصلة تماما بين النقابة والوزارة. أيها الأساتذة دافعوا عن مطالبكم ولكنكم مؤتمون على صورة المربي فيكم . لا احد بوسعه ان يقدم لكم دروسا في الوطنية او في الاخلاق او في حبكم لمهنتكم ولكن حذار ان تذهبوا في طريق تحقيق مطالبكم باي ثمن وبصورة لا تستجيب حتى لقواعد العمل النقابي وللنظام الداخلي للاتحاد الذي رفض قانونيا الامضاء على لوائحكم المهنية الأخيرة رغم انه يقول انه يساندكم في تناقض غريب يكشف كل مآزق الخطاب النقابي للمركزية ربما خوفا منكم ومن ثقلكم التمثيلي داخل المنظمة وفي المؤتمرات الوطنية او استثمارا لتحركاتكم في صراع مع الحكومة صار مفتوحا على كل الاحتمالات ..حذار فانتصاركم باي ثمن ان تحقق لا يعني دائما انتصار صورة المعلم فيكم او صورة المدرسة فينا ..فلا تدافعوا عن المدرسة العمومية وانتم تعملون موضوعيا لصالح التعليم الخاص حتى وان لم يكن هذا غرضكم ومرادكم . ونحن بلا شك ننزهكم عن ذلك .


فيديو لحاتم القرمازي الشّاب المسجون لأنّه إخترع صاروخ "تونس حرّة"
الرّقاب/ بالفديو: الأمن يهشّم دكّان مواطن
بالفيديو: راوية علّاقي تروي تفاصيل إعتداء القيّم العام على والدتها
وقفة احتجاجية تطالب بالكشف عن الأطراف المتورطة في قضية اغتيال الشهيد شكري بلعيد
سندس قربوج: لهذه الأسباب يصبح أبناؤنا إرهابيّين
بالفيديو: ومضة تحسيسيّة رائعة
قدماء مناضلي الاتحاد العام لطلبة تونس يهددون بطلب اللجوء السياسي
حمّه الهمّامي يروي لأوّل مرّة ذكريات 14 جانفي 2011 في دهاليز الدّاخليّة (الجزء الثالث)
حمّه الهمّامي يروي لأوّل مرّة ذكريات 14 جانفي 2011 في دهاليز الدّاخليّة (جزء ثاني)

استكمال صرف جرايات التقاعد بعد التأخير...

في مشاورات الفرصة الأخيرة : محمد المسلمي من...

هيئة الحقيقة والكرامة : ملف اغتيال نبيل...

بلاغ وزارة التربية : لا مساس بالعطلة...

وسام السعيدي: "آفاق تونس تمسك في 2014 بأن تضم...

وزير الماليّة ينفي خبر الزيادة في الأداء...

القائمة الإسمية لرجال الأعمال و الشركات...

القائمة الإسمية لرجال الأعمال و الشركات...

رجة بلغت قوتهـا 4.7 درجة على ضفاف شاطئ بنزرت...

الجم : تسجيل رجّة أرضية

هل تأكد العلماء أخيرا من وجود ماء على سطح...

هل تعرفون نادر المصمودي المتحصل على جائزة...

كنش اسطرلاب القانوني : المعنى القانوني...

وفاة الأديبة اللبنانية العالمية إميلي نصر...

ماكرون يكلف خبيرين ثقافيين بإرجاع ممتلكات...

تراث إفريقيا المنهوب : من رئيس البنين...