Quantcast

الجبهة الشعبيّة: نقد الشعارات وتقديم مقترحات

 

 

بقلم مصطفى القلعي

 

 

  1. خوف رفيقي القائد المستنكر من النقد وشغف رفاقي المناضلين به:

كتبت في الأيّام القليلة الماضية بعض التدوينات على صفحتي بفايسبوك حول الجبهة الشعبيّة وبعض أحزابها التي تصف نفسها بالثوريّة. ولاحظت بعد هذه التدوينات أمرين:

  • الأوّل هو الخوف الشديد من النقد الذي يعتري بعض قادة الجبهة، لاسيما عندما يصدر عمّن تعوّد على مساندة الجبهة ومرافقتها وحتى مجاملتها نقديّا مثلي، قلت لاحظت هذا الخوف حتى أنّ أحد رفاقي من قادة الجبهة سألني مستنكرا عمّا أريد منهم أن يفعلوا في إشارة إلى أنّي أنقد فقط ولا أقدّم مقترحات. ولم أرَ أعجبَ من هذا الكلام فأنا كتبت كتابا كاملا عن الجبهة سنة 2016 عنوانه « في حضرة الجبهة الشعبيّة » وضعتْ تقديما له المناضلةُ النائبُ بمجلس نوّاب الشعب مباركة عواينيّة براهمي. وأذكر أنّي أهديت رفيقي القائد المستنكر هذا نسخة من الكتاب بإهداء موقّع بخطّ يدي وكان ذلك بمقرّ الجبهة حال صدور الكتاب، وكان يومها اجتماع لمجلس الأمناء ورأيت كثيرا من رفاقي أعضاء مجلس أمناء الجبهة وأهديتهم نسخا من كتابي، ومن لم أره منهم أرسلت إليه نسخته. المهمّ أنّ الكتاب كلّه مقترحات وبرامج عمل خام قابلة للنقاش والتطوير والاعتماد. ولكنّي الآن أحسب رفيقي القائد المستنكر بل كلّ رفاقي الذين أهديتهم كتابي لم يطّلعوا عليه ولم ينظروا فيه بل إنّهم لم يكلّفوا أنفسهم عقد ندوة حوله أو دعوة كاتبه لتقديمه احتفاءً به، أوّلا، لاسيما أنّه أوّل كتاب من نوعه في الساحة السياسيّة التونسيّة يقدّم مشروعا سياسيّا للمواطنين ويحفّزهم على الإقبال عليه، ومناقشةً له ثانية. كما أنّي، منذ انبثاق مشروع الجبهة الشعبيّة في 6 أكتوبر 2012، وقلمي لم يسكت نقدا ودفاعا وإسنادا ومرافقة وردّا على الخصوم ومجادلة لهم وتضخيما للجبهة وتضخيما لقادتها ومناضليها ومنجزاتها. ولقد حاضرت في مختلف ربوع تونس عن « كيف تكبر الجبهة الشعبيّة » من جربة إلى سوسة إلى صفاقس إلى القصرين إلى أريانة إلى القيروان إلى السواسي إلى تونس إلى بنزرت…إلخ وتكلّمت في مختلف وسائل الإعلام الوطنيّة والأجنبيّة عن الجبهة ودافعت عن أطروحاتها بشراسة وواجهت خصومها على المنابر دون أن تكون لي صفة سياسيّة، وهذا ليس مَنًّا، طبعا، بل تذكيرا لرفيقي القائد المستنكر الذي لم يرَ لي ولم يسمع ولم يقرأ كلاما مفيدا حول الجبهة! كما أنّي كنت من المثقّفين والكتّاب القلائل الذين يعترفون صراحة وفي مختلف المواقع بانتمائهم إلى الجبهة حتى عرفتُ بها وعرفتْ بي. ولم يكن ذلك بلا ثمن، فلقد دفعتُ ثمن هذا الانتماء وهذا الاعتزاز. وأنا أجد لرفيقي القائد المستنكر نقدي ولرفاقي القادة الآخرين العذر كلّه في تجاهل كتابي وجهودي في خدمة مشروع الجبهة إذ مشاغلهم كبيرة بحجم جبال الشعانبي التي اغتصبها الإرهابيّون.
  • الثاني هو شغف مناضلي الجبهة وحرّاس معبدها الحقيقيّين بنقد جادّ فعّال محفّز لاسيما من الأقلام التي يثقون فيها ويطمئنّون إلى رأيها. وهو ما دعاني إلى كتابة هذا المقال الذي ربّما يكون رقم 200 أو 300 أو ألف لم أعد أحصي. ورغم الشعور بالعبث وباللاجدوى، فإنّي لن أخذل قرّائي من رفاقي الجبهويّين ومن المتابعين للشأن العام الذين يعنيهم شأن الجبهة الشعبيّة باعتبارها مكوّنا سياسيّا وطنيّا هي ملك للشعب التونسي وما القائمون عليها إلاّ مستأمنون مكلّفون عابرون كما عبر غيرُهم، بينما الجبهة باقية.

  1. نقد الشعارات والمقاربات:

سأخرج في هذا المقال من النقد المعمّم الملاطف إلى نقد دقيق يقوم على منهج التفكيك البراغماتي (pragmatique) لشعارات حزبيْ الجبهة الشعبيّة « الوطد الموحّد » و »حزب العمّال ». سأقرأ شعار « الوطد أبناء الشعب المضطهد » للوطد الموحّد، وشعار المؤتمر الخامس لحزب العمّال الذي انعقد مؤخّرا في ديسمبر 2018 « إلى الثورة ».

لنوضّح بعض المسلّمات المتعلّقة بالأحزاب وبالشعارات التي تختارها. الأحزاب في منظومة الدولة تهدف إلى الوصول إلى الحكم عبر الوسائل التي تتيحها الديمقراطيّة الليبراليّة، وهي الانتخابات. والشعارات وسائل رئيسيّة تعتمدها الأحزاب للمنافسة على إقناع أصحاب الأصوات (المواطنين/ الناخبين) ليتوجّهوا إلى الصندوق، أوّلا، ولمنح أصواتهم لهذا الحزب أو ذاك، ثانيا.

  • « الوطد أبناء الشعب المضطهد »:

الشعار، إذن، أداة إقناع واستقطاب قبل البرامج والخطط والحلول. الشعب التونسي يعيش حالة اضطهاد مستمرّة منذ الاستقلال إلى اليوم فهو مدعوّ باستمرار إلى تقديم التنازلات والتضحيات وتحمّل نتائج فشل الخيارات والتجارب، فهل يمكن أن نستقطبه عندما نقدّم له أنفسنا على أنّنا أبناء المضطهدين!؟ هل هذا شعار مُغرٍ قادر على جعل التونسيّين يقبلون أفواجا على حزب الوطد والجبهة؟ يعني نقول للتونسيّ: تعال معنا لتصبح مضطهدا!؟ نقرّ بأنّنا غير أحرار وندعوه للعبوديّة في نهاية التحليل؟ ألم يكن من الأجدى دعوتهم إلى السعادة والفرح؟ بعد ثورة الحريّة والكرامة ندعو التونسيّين إلى العبوديّة ونحن في المقابل ندين العبوديّة والاستعباد والتبعيّة ورهن القرار الوطني ونقدّم أنفسنا على أنّنا دعاة تحرّر وحرّاس معبد الحريّة ومنحازون إلى الحريّات؟ رفاقي؛ هذه سكيزوفرينيا!

الشعار يمكن أن يكون مضرّا أكثر من نافع. وهذا الشعار لن يجلب أحدا ولن يستقطب أحدا. ونحن مشكلتنا هي الترديد لا التفكير. ندعو الحكومة والدولة ومنظومة الحكم إلى مراجعة خياراتها ونحن لا نراجع حتى شعاراتنا التي تضرّ بنا ولا تخدمنا. هذه وظيفة من؟ وظيفة مراكز الدراسات والأبحاث التي لا تحفلون بها والنخب التي لا تستمعون إليها ولا تعيرونها أيّ اهتمام وتهملون جهودها.

  • « إلى الثورة »:

هذا شعار المؤتمر الخامس لحزب العمّال المنعقد أواخر ديسمبر 2018. يأتي في سياق أزمة شاملة كما يقول حزب العمّال. لا أدري كيف اختار حزب العمّال شعار مؤتمره. ولكن لنضع المؤتمر في إطاره حتى يكون النقد والتحليل أكثر فاعليّة وجدوى. التونسيّون مقبلون على انتخابات سنة 2019. وحزب العمّال معنيّ بها طبعا صلب الجبهة الشعبيّة التي عبّر عن تمسّكه بها. ويريد أن يظهر بمظهر الحزب الثوري أسوة بالأحزاب العمّاليّة في مختلف أرجاء العالم والتي كان بعضها ضيفا على حزب العمّال في مؤتمره.

هذا مفهوم في سياق الأحزاب الثوريّة الذي وضع حزب العمّال نفسه فيه. ولكن في السياق الوطني المحلّي هل هذا شعار مستقطب للتونسيّين؟ يعني بعد كلّ هذه الكوارث التي حصلت في تونس بعد 14 جانفي 2011 مازال يمكن إغراء التونسيّين بدعوتهم إلى الثورة التي يرى كثير منهم أنّها ضاعفت أحزانهم ومآسيهم وجوّعت أطفالهم وخرّبت وطنهم ووطّنت الإرهاب في أرضهم وجعلتهم يتحسّرون على بن علي وهم يرون شورو واللوز والغنوشي والبحيري والعريض والهاروني ومورو يحكمونهم بصلف وغلبة وقهر!؟

في السياق النفسي الاجتماعي التونسي اليوم، تُعَدُّ الدعوة « إلى الثورة » دعوة منفّرة بل خالقة للحنق والغضب. وقد تجعل حزب العمّال والجبهة عرضة للعقاب الانتخابي بسبب حرص الحزب على إسقاط استيهاماته على الشعب. أنتم تريدون الثورة لكنّ الشعب لم يعد يريد الثورة. الشعب يريد الأمن والطعام والحريّة والتقدّم والفرح والاحتفال والعمل. ماذا سيفعل بالثورة؟ هل أعددتم دراسات قبل إطلاق شعاركم؟ هل عقدتم ندوة؟ لا أعتقد.

طيّب لنجاريكم في دعوتكم « إلى الثورة »، بماذا سنثور معكم؟ بتوزيع الفلاير والبيانات والطاڨ على الجدران؟ هذه هي الثورة التي تدعون إليها؟ ثمّ هل يدعى الناس إلى الثورات؟ الثورة ليس حفلة عرس أو طهور أو وطيّة عروسة يُدعى الناس إليها لأكل الكسكسي واللحم! الثورة فعل اجتماعي تنضج شروطه التاريخيّة في غفلة من الجميع فتنفجر.

وما دخلك أنت لتدعو الناس إلى الثورة. ألم تدعُ المعارضةُ الناسَ إلى النزول إلى الشوارع للدفاع عن أنفسهم ضدّ قانون الماليّة لسنة 2019، ولم يخرج أحد!؟ ألا يحرجكم ذلك!؟ هل خرجتم أنتم للاحتجاج!؟ لم يستجيب أحد إلى دعوتكم للاحتجاج فهل سيستجيبون إلى دعوتكم للثورة!؟ ألا تتّعظون!؟ ألا تفكّرون!؟ ألا تتغيّرون وتغيّرون!؟ ألا تصغون!؟ ألا تدرسون وتحلّلون!؟

ثمّ التونسيّون عرفوا الثورة وعاشوها فلماذا تدعونهم إلى ما يعرفون؟ أين الابتكار؟ أين العقل الثوري المبدع الخلاّق؟ أين الفطنة؟ أين القدرة على المفاجأة وقلب المعطيات؟ يعني واحد مريض يذهب إلى عيادة الطبيب فيقول له سي الطبيب: أنت مريض! طيّب؛ سي الطبيب، أعرف أنّني مريض، ولم آت إليك لتقول لي إنّني مريض بل لتعالجني وتقدّم لي الدواء. الشعب مريض من الثورة وأنت تقول له: « إلى الثورة »؟ من سيسمعك؟ من سيتبعك؟

لعلّك تقصد « إلى التمرّد » أو « إلى العصيان » أو « إلى الانشقاق »؟ هل تقدر على شعار كهذا؟ بهكذا شعار تكون ثوريّا فعلا. ولكنّك عندها ستخرج عن المسموح به، عن الهامش المتاح لك ولغيرك للتحرّك وستجد نفسك، فعلا، في الثورة على الموجود لهدمه وإعادة بنائه. وستُتّهم بالانقلاب وتتعرّض للملاحقة وربّما الحلّ. وأنت لست مستعدّا لهذا، بل أنت مستعدّ للانتخابات لا للثورة ولا للتمرّد والانشقاق. إذن، شعار « إلى الثورة » شعار إصلاحي لا ثوريّة فيه. هو يجاري السائد ويعوّل على ما تكتنزه كلمة « الثورة » من معان لينوب عن العجز في الابتكار وليحيل على ثوريّة حزب العمّال. لكنّه في الحقيقة شعار أجوف إصلاحي فارغ، في هذا السياق طبعا، يضرّ بالحزب والجبهة ولا يخدمهما.

  1. مقترحات:

عوض هذه الشعارات التي تضرّ بالجبهة وبأحزابها والتي تدلّ على جدب إبداعي وفقر تخييلي، لماذا لا تذهب الجبهة بشعاراتها إلى مشاكل التونسيّين فتتبنّاها، أوّلا، وتقدّم تصوّرات ومقترحات لحلّها، ثانيا. كان يمكن أن يكون شعار حزب العمّال فعّالا ودقيقا ومستقطبا لو كان محيطا بأكبر مشكلتين لطالما تحدّثت عنهما الجبهة نفسها وأحزابها وتبنّتهما في بياناتها، وهما مشكلتا التعليم وغياب المنتوجات الغذائيّة (الحليب، البيض، السكّر، الحليب، الزبدة) كان يمكن أن يكون الشعار، مثلا، هكذا: « تونس تقرا وتعمل وتأكل » على خلفيّة لوحة فنيّة ليد صغيرة تكتب على كرّاس ووراءها ضيعة تمرح فيها أبقار وأغنام. هذا الشعار البسيط كان سيمسّ الناس ويخدمهم ويدعوهم إلى التفكير فيك وينتظرون مقرّرات مؤتمرك. وتتّجه لوائح المؤتمر إلى تقديم تصوّرات لحلّ هذه المشاكل. وسيكون في صميم مبدإ السيادة الوطنيّة والاستقلال الغذائي اللذين ندافع عنهما.

ألا ترون السنة الدراسيّة تتّجه إلى سنة بيضاء؟ ألا ترون أزمة المنتوجات الغذائيّة تتراكم؟ ألا ترون الناس يجوعون وأنتم تقولون لهم « نحن أبناء الشعب المضطهد » و « إلى الثورة »؟ أليست هذه فرصتكم لتوضيح بدائلكم الزراعيّة والتربويّة؟ لكن هل عقد أيّ حزب من أحزاب الجبهة هذه الأيّام ندوة عن التعليم؟ هل دُعيت جامعة التعليم الثانوي والخبراء ليعبّروا عن آرائهم في إصلاح المنظومة وفي معضلة الانقطاع المدرسي، فتستميل بذلك جمهورا كبيرا من الأساتذة؟ هل نظّمتم ندوة حول تصوّرات الجبهة لإصلاح التعليم لاسيما أنّ أزمة أساتذة الثانوي هي جزء من أزمة شاملة للتعليم لا يمكن أن تحلّ إلاّ صلب رؤية كاملة لإصلاح التعليم؟ الناس يعملون ويكدّون ويحلمون ويأملون وأنتم تدعونهم « إلى الثورة »؟ افهموا شعبكم وقولبوا ثوريّتكم عليه بدل أن تسقطوا استيهاماتكم عليه. املأوا مكانكم الشاغر وكونوا جديرين به.

سأقول لكم شيئا يؤلمني جدّا: أنتم تهزمون أنفسكم بأنفسكم ولا أحد يهزمكم.. أنتم تدخلون منافسات وصراعات وبأدواتكم تُفشِلون أنفسكم وتوفّرون مؤونة ذلك على خصومكم. قلت لكم رأيي والآن افعلوا بأنفسكم وبجبهة الشعب التي تهدرونها ما تريدون.


فيديو لحاتم القرمازي الشّاب المسجون لأنّه إخترع صاروخ "تونس حرّة"
الرّقاب/ بالفديو: الأمن يهشّم دكّان مواطن
بالفيديو: راوية علّاقي تروي تفاصيل إعتداء القيّم العام على والدتها
وقفة احتجاجية تطالب بالكشف عن الأطراف المتورطة في قضية اغتيال الشهيد شكري بلعيد
سندس قربوج: لهذه الأسباب يصبح أبناؤنا إرهابيّين
بالفيديو: ومضة تحسيسيّة رائعة
قدماء مناضلي الاتحاد العام لطلبة تونس يهددون بطلب اللجوء السياسي
حمّه الهمّامي يروي لأوّل مرّة ذكريات 14 جانفي 2011 في دهاليز الدّاخليّة (الجزء الثالث)
حمّه الهمّامي يروي لأوّل مرّة ذكريات 14 جانفي 2011 في دهاليز الدّاخليّة (جزء ثاني)

وزيرة الصحة بالنيابة "وفاة 6 رضّع بمستشفى...

فتح تحقيق في وفاة 6 رضّع بمستشفى محمد...

وفاة 6 رضع بقسم الولدان في مستشفى الطاهر...

ّاستطلاعات الرأي حول الانتخابات : دار...

الترفيع في تعريفة الكهرباء والغاز

أسعار النفط تقفز أكثر من 5 بالمائة

عدم الترفيع في كلفة القروض السكنية...

الجودي : الترفيع في نسبة الفائدة المديرية...

علماء الفلك يكتشفون نوعا نادرا من المجرات...

اليوم : مشاهدة وميض كوكب المشتري بالعين...

أصوات غريبة على سطح المريخ

رجة أرضية بمنطقة القطار من ولاية قفصة،

تعرّف على الوجه الآخر لجزيرة " لامبدوزة " في...

رفيف الكلام ..بقلم عمار جماعي ( الخال ) .. من...

وفاة المفكر السوري طيب تيزيني

شبه مريب بين مسلسل "المايسترو " وفيلم فرنسي...