Quantcast

السّوس ، و ضيعةُ محروس ! بقلم خالد كرونة

 

لقد سوّستِ أمر بنيكِ حتّى *** تركتِهمْ أدقَّ من الطحينِ (الحطيئة)

منذ سنة 2015، ارتفعت في شوارع العاصمة التونسيّة أهزوجة  » نظام كلاه السوس … هذي ما هيش دولة…هذي ضيعة محروس ». رافق « النشيد » قرع طبول موقّع ، أمّا المناسبة فهي « مبادرة تشريعية رئاسيّة » باتت تعرف بمشروع قانون المصالحة الاقتصاديّة ، وأمّا حقوق التأليف و النشر فقد كانت لحملة شبابيّة جعلت عنوانها « ما نيش مسامح » و حشدت مئات أضحوا ألوفا بمرور الوقت تنديدا بمشروع القانون الذي اعتبروه غير دستوريّ مثلما عدّوه مكرّسا للإفلات من العقاب ، طامسا الحقيقة و العدالة .
وفي 13سبتمبر 2017 صوّت 117 نائبا جلّهم من الائتلاف الحاكم وقتئذ(النداء و النهضة) لصالح القانون بعد سجال اجتماعي طويل وحراك مديد لأنّه يتيح العفو على نحو 400 من رجال الأعمال الفاسدين من طغمة الجنرال بن عليّ وهو ما شكّل انتكاسة خطيرة في المسار الثوري بعد انتفاضة 2010/2011 الشعبيّة رغم ما قيل عن « تعديله » و رغم الإيهام بأنه سبيل « مصالحة حقيقية » تطلق المبادرة الاقتصادية وتعود بالنفع على ديناميات الاقتصاد وتفتح أبوابا أمام التشغيل .
وبصرف النظر عن استقطاب هذا الحراك مئات الشابات و الشبان ، رافعين شعار « المطرقة » في إشارة إلى نبل وظيفة القضاء وخطر الالتفاف على دوره ، و بصرف النظر أيضا عن مواقف « المعارضة » التي ساندت بأقدار متفاوتة هذه الحملة ، فقد ظلّت الأهزوجة التي عرفت انتشارا رهيبا على كل مواقع التواصل و بين كلّ الشبّان يُنظرُ إليها على أنها « شعار شعبويّ » تسخر منه بعض الألسنة وربّما استهجنته ، فوقار طبقتنا السياسيّة و منزلتها « المرموقة » ترى فيه إسفافا و خطابا متدنّيا ..
ورغم أنّ جلّ « السياسيين » يستخدمون في ذم خصومهم توصيف « الشعبوية » ، لم نرَ أحدا منهم حدّد ماهيتها أو بيّن « مخاطرها » على « الانتقال الديموقراطي » العظيم. ولسنا هنا بصدد إيضاح هذه القضيّة، ولكنّنا نكتفي بالقول إن قاموس « بوتي روبير » petit robert طبعة العام 2013 يعرّفها بأنها « خطاب سياسي موجه إلى الطبقات الشعبية، قائم على انتقاد النظام ومسؤوليه والنخب ». و قد كان الجامعيّ « فيليب روجيه » الذي يدير مجلّة « نقد » (critique ( العريقة ( تأسست سنة 1946)محقّا تماما حين كتب سنة 2012 : « هذه الكلمة في كل مكان، لكنها بلا تعريف » !
وإذا ضربنا صفحا عن هذه المتاهة التي تحتاج معجميين و علماء اجتماع وإناسة ليتدبّروها ، ولتبيّن الفروق بين شعبوية ترامب اليمينيّة و شعبويّة الراحل شافيز ، وإذا توقّفنا عند بعض خصائصها الدلاليّة، خلصنا بلا مشقّة إلى أنها استحضار استعاريّ لحشرة لايزيد طولها عن الصنتمتر الواحد ولكنّها تنخر كلّ ما تقع عليه « قواضمها » مستعينة بأجنحة خلفيّة تهيئ لها قدرة محدودة على الطيران. آية من آيات البلاغة في رسم صورة نظام متهالك عشّش فيه الفساد، وأنهكه فصار قمحه و مكسراته وسائر بقوله الجافة طحينا تذروه الرياح و صار صوفه و قطنه ودثاره مرتعا لفيالق السّوس تقيم عليه مآدبها الحافلة .
قد لا تكون انتفاضة التونسيين أبدعت خيرا من هذا المجاز اللطيف لرسم قبح نظام جثم منذ عقود على رقاب الشعب فامتصّ عصارة كدحه لصالح حفنة من المتربّحين الذين يستولون على مقدرات بلد مثخن وهم في الغالب أسر قليلة جمعتها روابط الختن و النسب ووحّدتها سياسات النهب.. أوليغارشيّة لا يوائمها من ألوان التوصيف غير « السوس » . يا لبلاغة الشباب صانعي الأمل .. وبما أن السوس أنواع تعدّ بالآلاف ، وبما أنّها تتلوّن على شكول مختلفة، تزداد فتنة التوصيف و نصاعة الاستعارة .. فقد بُليت الخضراء بعصابات أخرى من المافيا.. تحالف المتربحون الريعيّون (les rentiers) مع أوليغارشية أخرى مافيوزيّة فعشّشا كالسوس في نسيج الفلاحة فصارت يبابا خرابا ، وتاجروا بكلّ شيء فألحقوا بالمؤسسة التونسيّة كلّ نكبة و خطب، ونشروا الجوع فغدت المزابل سوقا يرتادها على مرأى من الجميع صبيان وكهول و عجائز و شيوخ.. حوّلوا تمويلات البنوك إلى « مشاريعهم » و حشدوا في الأحياء الشعبيّة الجياع القادمين من ريف أنهكوه،و فقروه. استقدموا « كفاءات » نكرات من بلاد العجم أسلموا لهم قياد بلد لا يعرفونه ولا يعرفهم مقابل الإخلاص لهم ولكروشهم المنتفخة .
انتقل السوس إلى « النخب » فلا شيء يقف في طريقه، فرخت الطبقة السياسيّة ما يزيد عن مائتيْ مسخ « حزب » دون أن يتجشم واحد منها مشقة صياغة بديل حقيقي يخلّص هذا الشعب المنكوب من جلاديه. طاف السوس بالجامعات ففرّ منها آلاف،واقتحم العدالة فنالها ما نالها ،وحلّق بجناحيْه الخلفيّيْن حتّى استوطن المدارس بعد أن طاب له المقام في المستشفيات .. ثمّ ولج باب القصبة يبشّرنا بحزب « الحكومة » و انطلق في نزهة إلى مدارس الدواعش و الفواحش، يضع بيضه قبل أن يتحوّل ألوف الشرنقات ترفل في الدشداشات ..
هل كان الشبان مبالغين أم بلغاء حين أعلنوا « تسوّس النظام » ؟ من عبث الأقدار، أنهم بدئوا حملتهم سنة 2015 وهو نفس العام الذي قضى فيه « محروس » بطل الضيعة التلفزيونيّة (الراحل الحبيب بن ذياب) .. من آي البلاغة أنهم يعلنون في المصراع الثاني من النشيد أنّنا إزاء ضيعة لا دولة.. صورة من قاع ذاكرة شبّان رأوا أيام طفولتهم بعيونهم الحالمة سلسلة « ضيعة محروس » بين سنتيْ 1995و 1996، ولست أشكّ أنهم يذكرون جيّدا « كوكو » و « الأرنوبة » و « الثعلوب » وأنثاه « الثعلوبة » و السيد « النمرود » فضلا عن المشهور « بعبع » .. ولعلّهم جميعا وقد صاروا شبانا وشابّات، يفتقدون « مرجان الحكيم » الذي أدّى دوره « إلياس الغزواني » . ومن المفارقات العجيبة ، أن سلسلة « ضيعة محروس » كانت بالفصحى وأنها كانت أمارة « نجاحات ممكنة » للتلفزيون العمومي بالاشتراك مع شركتيْ إنتاج قبل أن تقضمه هو الآخر دواب السوس، فكانت « الضيعة » فضاء تثقيفيّا ينفتح على الأشعار و على الألحان و يحصد الجوائز حيثما حلّ في أقطار الوطن العربي.
ولأنّ اللغة لا تنفكّ مخاتلة تناور و تداور، انقلب الرمز في نشيد الشبان يسم الضيعة بأنها مرحلة ما دون الدولة ،، هل أدرك الشبان (ونخبنا ذاهلة) أنّ السوس تسلل إلى أخشابها فأبلاها وإلى دواليبها فعطّلها ؟ هل تحمل مفردات الأهازيج سيمياء منقوعة في فضاء بيدبا وابن المقفع بين دفتيْ كليلة ودمنة؟ هل تستحضر الأهزوجة محاورات جواد « صاهل » و بغل « شاحج » يمليها شيخ ضرير يستوي على حصيره الحقير في ركن بيته الصغير في موضع من معرّة النعمان على تخوم حلب؟
كيف لكيمياء الأجيال أن تفسّر انزياحات العبارة و رحلة النشيد إلى أروقة وزارة التربية أيام اعتصام المربين الواحدة والعشرين؟ وما الذي يمنع أن يصبح النشيد جزءا من كلّ احتفاليّات الاحتجاج؟ أليست فعلا ضيعة يُقطِع بعضهم خيراتها لذوي القربى والأصهار و الختن وأبناء العمومة والحالمين بوراثة التليد و الطارف ؟
لا شيء يبعث السرور غير أولئك الشبّان الذين يجترحون كالشعراء لغة فوق اللغة ، ولا يأس في بلد تبدع فيه الصبايا أهازيج السخرية والهزء ، لأنها الخطوة الأولى في معمار استعادة الأمل قبل استعادة المبادرة من المحنطين و اليائسين و أصحاب الحنين إلى مغاور التاريخ المظلمة والملطخة أيديهم بدماء الشهداء … أنشدوا : لقد أكله السوس ،، واستعدّوا له بالمبيدات ، فقديما قيل : ما فات فات وما هو آت آت !!
خالد كرونة ـــ كاتب من تونس


فيديو لحاتم القرمازي الشّاب المسجون لأنّه إخترع صاروخ "تونس حرّة"
الرّقاب/ بالفديو: الأمن يهشّم دكّان مواطن
بالفيديو: راوية علّاقي تروي تفاصيل إعتداء القيّم العام على والدتها
وقفة احتجاجية تطالب بالكشف عن الأطراف المتورطة في قضية اغتيال الشهيد شكري بلعيد
سندس قربوج: لهذه الأسباب يصبح أبناؤنا إرهابيّين
بالفيديو: ومضة تحسيسيّة رائعة
قدماء مناضلي الاتحاد العام لطلبة تونس يهددون بطلب اللجوء السياسي
حمّه الهمّامي يروي لأوّل مرّة ذكريات 14 جانفي 2011 في دهاليز الدّاخليّة (الجزء الثالث)
حمّه الهمّامي يروي لأوّل مرّة ذكريات 14 جانفي 2011 في دهاليز الدّاخليّة (جزء ثاني)

جلمة : وقفة احتجاجية أمام مقر محكمة الناحية ...

غلق الطريق بين القيروان وسوسة

الرصد الجوي : إنذار بنزول أمطار غزيرة مع...

أنس الحمادي يعلق على تأخر مجلس القضاء في...

العباسي: تحسّن الدينار ليس ظرفيا

الترفيع في تعريفة الكهرباء والغاز

أسعار النفط تقفز أكثر من 5 بالمائة

عدم الترفيع في كلفة القروض السكنية...

جمعية علوم الفلك تردّ على خرافة " اقتراب يوم...

كويكب "يحتمل أن يكون خطيرًا" يقترب من الأرض

اليوم الثلاثاء كسوف كلي للشمس

علماء الفلك يكتشفون نوعا نادرا من المجرات...

جمعية الدراسات الأدبية والحضارية بمدنين :...

هل يحتفل الإنسان بالموت كما يحتفل بالحياة...

برنامج الدورة 55 لمهرجان قرطاج الدولي

تعرّف على الوجه الآخر لجزيرة " لامبدوزة " في...