Quantcast

النموذجيات مرة أخرى بقلم د. أحمد بوعزّي

 

بقلم د. أحمد بوعزّي

 

اتخذ وزير التربية قرارا شجاعا لكنه غير شعبيّ وهو يتلخّص في رفض تغيير شروط الدخول للنموذجيات. فالوزير المسكين ورث سياسة الإقصاء وتدمير الإعداديات العمومية التي انتهجها الصادق القربي الذي سبقه في وزارة التربية في عهد بن علي عندما أحدث ما أسماه « الإعداديات النموذجية » وهي منظومة تقسّم التلاميذ إلى طبقتين وتفصل بينهما. طبقة القادرين على دفع أموال طائلة للمدرّسين مقابل دروس خصوصية ليتمكّن ابناؤهم من ولوجها والحصول على امتيازات وطبقة الذين يثقون في منظومة التعليم وفي هيأة التدريس وغير قادرين على مجاراة الأثرياء للحصول على أرقى الدروس الخصوصية بل يتابعون الدروس العادية.

والغاية الحقيقية لهذه المنظومة هي ضمان ترتيب مريح في المناظرة الموالية يمكّن من الترسيم في المعاهد النموذجية التي تهدف بدورها إلى ترتيب مرتاديها في امتحان الباكالوريا في رتبة تمكّنهم من الولوج إلى كليات المهن الطبية أو الهندسية مقارنة بالذين يرتادون المعاهد العادية.

وهذه المنظومات النموذجية حولت غاية الدراسة في المدرسة التونسية من الحصول على المعرفة والرفع من المستوى المعرفي للتلاميذ وتكوينهم ليصبحوا قادرين على التفكير العلمي الصحيح حتى يتمكّنوا من التكوّن مدى الحياة لمجابهة سوق الشغل وميدان الخلق والإبداع، حوّلتها إلى الحصول على ترتيب متقدّم مقارنة بأقرانهم.

وإن كان الأولياء يجتهدون بأموالهم لمساعدة أبنائهم على تحسين هذا الترتيب في المعاهد العادية فإن الدولة تتولى تلقيم (gavage) الناجحين في مناظرة الدخول للنموذجيات بمال دافع الضرائب.

ثار عديد الأولياء ضد قرار الوزير وهاجموا المعاهد وهدّدوا بالإضراب عن الطعام لأنهم خسروا أموالهم طمعا في الحصول على الامتيازات لأبنائهم لكن الوزير كان صلبا ولم يغيّر في المعدّل الأدنى للقبول. أنا أفهم هؤلاء الأولياء لأن الامتيازات محبوبة دائما. وكيف لا يحاول كل ولي أن يُخرج ابنه من معاهد الدرجة الثانية ليتلقّى تعليما راقيا في معاهد الدرجة الأولى التي توفّر لها الوزارة ظروفا دراسة أفضل بأموال دافع الضرائب يحرم منها 98 بالمائة من التلاميذ. متوسّطو النبوغ وهم الأغلبية الساحقة يعملون ما في وسعهم للدخول إلى هذه الإعداديات مهما كان الثمن حتى ينجحوا بمعدلات أعلى من إمكانياتهم الطبيعية وأعلى من معدلات أقرانهم الذين سيبقون في الإعداديات « المنسية » ممّا يمكّنهم من التوجّه فيما بعد إلى المسارات الدراسية « النبيلة ». ولذلك نفهم سبب تهافت الأولياء على الدروس الخصوصية للدخول إلى هذه المعاهد التي بدونها لن يلج ابناؤهم كلية الطب أو كلية الهندسة.

لكني لا أفهم العقلاء الذين يحاولون إيجاد تبرير لوجود هذه المعاهد، فهي معاهد تحضّر لنفس الامتحان الذي يتقدّم له بقية التلاميذ. هناك من يقول أنه يجب الاهتمام بصورة خاصة بالنوابغ، نعم نهتمّ بهم، لكن لتدريسهم ماذا ؟ هل نجمع النوابغ لندرّسهم نفس البرنامج الوطني للتقدّم لنفس الامتحان الوطني ؟ أم ندرسهم برنامجا مختلفا يمكّنهم مثلا من التقدّم لامتحان الباكالوريا في سن السادسة عشرة ؟ طبعا هم يدرسون نفس البرنامج في ظروف جيّدة يُحرم منها أبناء الشعب وهذا يفسّر هلع أولياء الذين لم يحصلوا على المعدّل المطلوب لأنهم يعرفون أن نتائج أبنائهم في امتحان الباكالوريا ستكون متدنية لو درسوا في المعاهد العمومية.

نلاحظ أولا أن هذه المعاهد النموذجية تطرد حوالي عشرة بالمائة من تلاميذها كل سنة لعدم قدرتهم على مسايرة النسق وبالتالي فإن كل من يدخل هذه النموذجيات ليس بالضرورة نابغة. ثمّ أن نسبة النوابغ في شريحة عمرية (أي الذين لهم نفس السن) تمثّل حوالي 10 بالمائة لكن الاعداديات النموذجية تفتح أبوابها لأقل من اثنين بالمائة منها، ثم نظرا إلى أن الجزء الأكبر من المقبولين في هذه المناظرات آتون من الدروس الخصوصية فإن نسبة الفشل كبيرة ولا يستطيع كل الناجحين في المناظرة مسايرة إيقاع النوابغ الطبيعيين.

نحن لا نرى ضرورة لوجود هذا الصنف من المعاهد لأننا نعتقد أن النوابغ سوف ينجحون في دراستهم بامتياز مهما كان المعهد الذي يدرسون فيه وبمعدّلات كبيرة سواء كانوا في معاهد عادية أو في معاهد خاصة. فقط، يجب مراقبتهم حتى لا ينخفض اهتمامهم بدراستهم.

كون كل التلاميذ يحضّرون نفس الشهادة (مناظرة الدخول إلى المعاهد النموذجية ثم الباكالوريا) يجعل من هذه الإعداديات وسيلة تمييز بين المواطنين غير مقبولة أخلاقيا وسياسيا وتعطي الذين يؤمونها تفوقا اصطناعيا على أقرانهم ما كانوا ليحصلوا عليه لولا تلك المصاريف الإضافية ولولا اختيار الأساتذة والقيّمين الأكفاء لتأطيرهم وهي تساهم في تدهور المستوى العام للتعليم فيما يخص الـ98% من التلاميذ.

فهل كان هؤلاء التلاميذ سيتفوقون على أقرانهم لو لم يدخلوا الإعداديات النموذجية ؟ فإن كان الجواب بنعم فلِمَ لا نتركهم حيث هم مع أقرانهم ثم نوجّه هذه المصاريف الإضافية لتحسين البرامج ولتحسين التجهيز ولتحسين المستوى المعرفي للمعلمين والأساتذة بالتكوين المستمرّ، وإن كان الجواب بلا فلماذا نبذل مجهودا إضافيا لتغليب تلميذ أقل إمكانيات ذهنية على زميله ليتوجّه إلى دراسة الطب أو الهندسة ويحجز المكان دون وجه حق ويمنع بالتالي تلميذا آخر أحقّ منه من الترسيم في تلك الدراسة « النبيلة ».

الحلّ يكمن في تحويل كل الإعداديات في تونس إلى إعداديات نموذجية. واتخاذ هذا القرار سهل لأن الإعداديات النموذجية الحالية غير قانونية لمخالفتها قانون 2002 ولأن التعليم إجباري في هذه المرحلة. والإلزامية تفرض وجود صنف واحد من التعليم وظروف واحدة للدراسة وتكافئ الفرص أمام مواصلة التعليم. وسيجعل هذا الحلّ الأولياء راضين لأن أبناءهم سيتبارون مع أقرانهم في نفس الظروف في غياب الامتيازات غير المقبولة التي هي سبب المشكلة.

احترام الدستور ومبادئ الثورة سوف يؤدّي أيضا إلى تعميم صفة النموذجية على كل المعاهد الثانوية لينتفع كل أبناء الشعب بدراسة جيّدة، وإن أرادت الدولة الاهتمام بالنوابغ وخلق مسارات دراسية لهم في تونس فلتفعل ذلك في التعليم العالي وتكوّن لنا علماء من مستوى عالمي عوض ما تفعله اليوم بهم حيث تحرم البلاد من ذكائهم وتشجّعهم على « الحرقة » بمنح جملية تفوق 100 مليون دينار سنويا وتترك لنا في جامعاتنا الطلبة المتوسطين ومن هم دون المتوسط ثمّ تتساءل بعد ذلك عن أسباب ترتيب جامعاتنا المتدنّي.


فيديو لحاتم القرمازي الشّاب المسجون لأنّه إخترع صاروخ "تونس حرّة"
الرّقاب/ بالفديو: الأمن يهشّم دكّان مواطن
بالفيديو: راوية علّاقي تروي تفاصيل إعتداء القيّم العام على والدتها
وقفة احتجاجية تطالب بالكشف عن الأطراف المتورطة في قضية اغتيال الشهيد شكري بلعيد
سندس قربوج: لهذه الأسباب يصبح أبناؤنا إرهابيّين
بالفيديو: ومضة تحسيسيّة رائعة
قدماء مناضلي الاتحاد العام لطلبة تونس يهددون بطلب اللجوء السياسي
حمّه الهمّامي يروي لأوّل مرّة ذكريات 14 جانفي 2011 في دهاليز الدّاخليّة (الجزء الثالث)
حمّه الهمّامي يروي لأوّل مرّة ذكريات 14 جانفي 2011 في دهاليز الدّاخليّة (جزء ثاني)

وزيرة الصحة بالنيابة "وفاة 6 رضّع بمستشفى...

فتح تحقيق في وفاة 6 رضّع بمستشفى محمد...

وفاة 6 رضع بقسم الولدان في مستشفى الطاهر...

ّاستطلاعات الرأي حول الانتخابات : دار...

الترفيع في تعريفة الكهرباء والغاز

أسعار النفط تقفز أكثر من 5 بالمائة

عدم الترفيع في كلفة القروض السكنية...

الجودي : الترفيع في نسبة الفائدة المديرية...

علماء الفلك يكتشفون نوعا نادرا من المجرات...

اليوم : مشاهدة وميض كوكب المشتري بالعين...

أصوات غريبة على سطح المريخ

رجة أرضية بمنطقة القطار من ولاية قفصة،

تعرّف على الوجه الآخر لجزيرة " لامبدوزة " في...

رفيف الكلام ..بقلم عمار جماعي ( الخال ) .. من...

وفاة المفكر السوري طيب تيزيني

شبه مريب بين مسلسل "المايسترو " وفيلم فرنسي...