Quantcast

بلاد بلا حسك.. "حلاّق ذقن ، سائق تاكسي وكاتب رأي " يكتبها حكيم مرزوقي

 

يندر وجود سائق أو حلاّق ينتمي إلى فئة الصمّ والبكم، رغم أنّ الأوّل يعمل بالمقود والدوّاسة والثاني يستخدم المشط والمقصّ، ذلك أنّ الزبون في حاجة إلى من يستأنس الاستماع  إليه وهو يسلّمه الرأس والذقن أو وجهته في الطريق.. وليس هناك أفضل من الكلام وسيلة لخلق تلك العلاقة وإبرام ذاك العقد الشفهي الذي لا يدوم في العادة أكثر من ساعة.

خاطئ من يعتقد أنّ الكلام ليس عليه جمرك أو أنّه مجّانيّ وغير مكلف بما أنّ أداته لسان وحنجرة.. وإذا كان كذلك فلما « الإكراميّة والبقشيش » في أعراف المهنيين والحرفيين؟

ما يشجّع الحلاّق على حبّ التحدّث إلى حدّ الحذلقة والثرثرة هو اقتراب فمه من أذن الزبون الذي لا يشاركه الكلام إلاّ بعبارات مقتضبة بحكم حذره من حركة عشوائية طائشة قد تصدر من المقصّ أو موسى الحلاقة. كذلك يساهم عامل تنوّع الزبائن على مختلف مشاربهم وثقافاتهم ممّا يجعله وكالة أنباء الحيّ ودليل التائهين في العناوين. ولعلّ أشهرهم في التاريخ هو البديري الحلاّق الدمشقي الذي ترك إرثا توثيقيّا ودراميّا مدهشا, أمّا أطرف سوّاقي  التاكسي  من الذين صاروا كتّاب قصّة في دمشق فهو الصديق المرحوم الشاب صالح موسى الذي قضّى سنوات طويلة وهو ينقل كتّابا وفنانين إلى بيوتهم أثناء تلك السهرات الدمشقية الماجنة والمجنونة.. ومن عاشر الكتّاب نال شقاءهم.

لكنّ السؤال الماكر الذي تتناسل منه أسئلة كثيرة أخرى هو: لماذا يريد الإنسان سماع ما يشتهي ويحب مزاجه ويدفع في سبيله النقود. ولماذا مازال تبادل الأحاديث العابرة رائجا في مجتمعاتنا, ولم تهزمها أصوات الراديو والتلفزيون في سيارات الأجرة وصالونات الحلاقة ؟… لماذا نحتاج دائما إلى ضجيج الحديث فنشغّل التلفزيون في البيت أمام الضيوف لتعبئة فراغات الصمت الذي يقلقنا ويشعرنا بالريبة ؟ لماذا نخاف الصمت ونهرب منه حتى إلى الثرثرة والتنصّت إلى ضجيج المارة وأصوات الباعة ؟ لماذا لا يتبادل الصديقان عندنا عبارات الصمت كما كان يفعل الكاتبان صموئيل بيكت و أندريه بروتون ؟ لماذا لم يدخل الصمت وحسن الإصغاء الطويل في ثقافتنا وتقاليدنا كما هو الحال لدى المجتمعات التي ترتاد دور الأوبرا وأمسيات العزف الهادئ الطويل وحتى أديرة الصيام عن الكلام؟

أعتقد أنّنا قد وصلنا إلى هذا الصمت، ولكن من بوّابة أخرى ولغاية أخرى .. إنها الريبة التي بدأت تعصف بالحياة الاجتماعية في البلاد العربية.

غاب الأمان فحلّ سوء الظنّ والخوف والتريّث محلّ تلك الطمأنينة الوادعة، وصار الحديث مع الآخر مشوبا بالحذر بعد أن كان الحلاّق لا يسأل عمّا تحت شعر رأس الزبون، وسائق التاكسي لا تهمّه الوجهة التي نقصدها  بل نتسلّى بأحاديث عامّة (وربما خاصة وحميميّة) ,رغم أنّ السياسة كانت غائبة …(لعن الله السياسة والسياسيين) كما قال توفيق الحكيم عندما قصد حلاّقا مهذارا ومهووسا بالسياسة فرسم له الأخير خارطة اليابان أثناء الحرب العالمية على شكل جزيرة من الشعر في رأسه وبدأ بشرح الخطّة العسكرية للحلفاء ضد جيوش المحور أمام جمهور الزبائن مثل خبير استراتيجي.

حكيم مرزوقي

كاتب ومخرج مسرحي


فيديو لحاتم القرمازي الشّاب المسجون لأنّه إخترع صاروخ "تونس حرّة"
الرّقاب/ بالفديو: الأمن يهشّم دكّان مواطن
بالفيديو: راوية علّاقي تروي تفاصيل إعتداء القيّم العام على والدتها
وقفة احتجاجية تطالب بالكشف عن الأطراف المتورطة في قضية اغتيال الشهيد شكري بلعيد
سندس قربوج: لهذه الأسباب يصبح أبناؤنا إرهابيّين
بالفيديو: ومضة تحسيسيّة رائعة
قدماء مناضلي الاتحاد العام لطلبة تونس يهددون بطلب اللجوء السياسي
حمّه الهمّامي يروي لأوّل مرّة ذكريات 14 جانفي 2011 في دهاليز الدّاخليّة (الجزء الثالث)
حمّه الهمّامي يروي لأوّل مرّة ذكريات 14 جانفي 2011 في دهاليز الدّاخليّة (جزء ثاني)

نبيل بن بشير: إلقاء جلود الأضاحي يكبد...

ميليشيات ليبية تحتجز مهرب بنزين تونسي...

عطلة بيومين للموظفين في عيد الأضحى

السراج يطّلع على وضع المنافذ الحدودية...

الزيادة في سعر الحليب على مستوى الإنتاج

وزير التجارة : لازيادة في تسعيرة الحليب في...

التعريفة الجديدة للتاكسي المنطلقة من...

وسام السعيدي: "آفاق تونس تمسك في 2014 بأن تضم...

رجة بلغت قوتهـا 4.7 درجة على ضفاف شاطئ بنزرت...

الجم : تسجيل رجّة أرضية

هل تأكد العلماء أخيرا من وجود ماء على سطح...

هل تعرفون نادر المصمودي المتحصل على جائزة...

فدوى البرغوثي ضيفة على مهرجان المظلة بقابس

رحيل الفنٌانة المسرحية خديجة السويسي

سيدي بوزيد : حالة من الفوضى تسببت في توقف...

النقابة الجهوية لقوات الأمن الداخلي بالحوض...