Quantcast

حزب عبيد البريكي : هل هو الحزب اليساري الكبير" أم "الحزب المَساري المقلّد" ؟

بقلم مصطفى القلعي: كاتب وباحث سياسي

السيّد عبيد البريكي، الأمين العام المساعد السابق للاتحاد العام التونسي للشغل والوزير المقال من حكومة يوسف الشاهد بعد 6 أشهر فقط قضّاها على رأس وزارة الوظيفة العموميّة والحوكمة، تكلّم مؤخّرا في وسائل الإعلام وعلى صفحات مواقع التواصل الاجتماعي معلنا عن نيّته تأسيس حزب يساري جديد يصفه بـ « الحزب اليساري الكبير ». وبوصفي متابعا للشأن اليساري وكاتبا فيه فليسمح لي السيّد عبيد البريكي بمناقشة مشروعه هذا إثراء للساحة اليساريّة وتحريكا للفعل النقدي المنوّم فيها. وهذا أمر طبيعيّ، في اعتقادي، باعتبار أنّ السيّد البريكي شخصيّة عامّة تطرح موضوعا سياسيّا يهمّ الشأن العام. وسأناقش مشروع السيّد البريكي شكلا وأصلا، كما يقول رجال القانون
I. من حيث الشكل:
1. حرقة السلطة والصورة الحاصلة للفرد عن نفسه:
لابدّ من الإشارة إلى أنّ السيّد عبيد البريكي لم يخرج عن سلوك درج بين شخصيّات كثيرة ممّن تحمّلوا مسؤوليّات في الحكومة أو في رئاسة الجمهوريّة تمثّل في الهرولة نحو تأسيس حزب مباشرة بعد التجريد من المسؤوليّة. من بين هؤلاء محسن مرزوق رضا بلحاج سعيد العايدي المهدي جمعة ياسين إبراهيم منصف المرزوقي. ويمكن تسمية ذلك بحرقة السلطة، فمن فيها لا يريد أن يتركها مهما كان الثمن حتى وإن كان التنكّر للمرجعيّات والمبادئ والشعارات الأصيلة والدفاع عن أعدائه الطبقيّين والإيديولوجيّين كما هو الشأن مع سي البريكي. ومن خرج منها يريد العودة إليها بأيّ مقابل.
هذا إضافة إلى الصورة المضخّمة التي يحملها الفرد عن نفسه. فمن أعفي من مسؤوليّة في تحوير وزاري أو تغيير حكومي أو تعديل رئاسي يرى نفسه غير ما يراه من أعفاه. ويهرول إلى الحلّ السهل على الجميع ألا وهو جمع بعض الأنفار حوله يقدّم لهم ما يتصوّر أنّها خبرته في السلطة ومعرفته بالشأن العام وأوراقه الخفيّة التي بإمكانها أن تدخلهم جميعا إلى السلطة. ويكون تأسيس حزب بدل العودة إلى الحزب الأمّ الذي أوصله إلى السلطة والنضال داخله. وهذا دليل على ممارسة سياسية ينفرها الرأي العام لأنّها تساهم في تشتيت المشتّت وتجزئة المجزّأ. فماذا سيضيف حزب البريكي لأكثر من 200 حزب؟
2. مبروكين عليك:
وأتذكّر في هذا الإطار حكمة حسين العبّاسي الأمين العام السابق للاتحاد العام التونسي للشغل حين وجد بعض النقابيّين متحمّسين لخوض غمار تشريعيّة 2014 بقائمات الاتحاد، فقال لهم: « ما هو رصيدكم الانتخابيّ. من أين ستأخذونه؟ طبعا من رفاقكم اليساريّين من الجبهة الشعبيّة وغيرها ». ورفض ذلك بشدّة. اليوم سي البريكي نسأله: من أين ستأتي بأتباعك؟ ستسحبهم من تحت الجبهة الشعبيّة. ولكنّي ربّما أفاجئك بالقول: مبروكين عليك. فهؤلاء اليساريّون الذين بقوا خارج الجبهة كانوا أشدّ على الجبهة من خصومها وأعدائها. ولا تسل عمّن كانوا فيها وغادروها.
السؤال هو: هؤلاء الذين رفضوا الانضمام إلى الجبهة أو غادروها كانت أدواتهم الحجاجيّة أساسا عدم ثوريّة الجبهة وجبهة الإنقاذ والقبول بالديمقراطيّة والرضا بنتائج الانتخابات و.. و.. فكيف سيقبلون بحزب متيمّن أصلا مؤسّسه كان من أشرس المدافعين عن حكومة يمينيّة وائتلاف رجعي معادٍ؟ سبحان مغيّر الإيديولوجيّات من التشدّد الثوري إلى اليمينيّة الرخوة!؟ ربّي يعينك عليهم ويعينهم عليك.
3. اليساريّ الذي يشارك في ائتلاف يمينيّ لا يظلّ يساريّا:
ولابدّ من التذكير بأنّ السيّد عبيد البريكي كان يمينيّا أكثر من اليمينيّين أنفسهم لمّا كان عضو حكومة. وكان من أشدّ المدافعين عن الحكومة وعن الائتلاف الحاكم الذي يضمّ طرفا رئيسيّا هو حركة النهضة التي يتّهمها حزب الشهيد والجبهة الشعبيّة بالتورّط في دم الشهيد شكري بلعيد. وكان يدعو المعارضة إلى انتظار الانتخابات لمنافسة الائتلاف الحاكم في إشارة إلى الشرعيّة الانتخابيّة للائتلاف الحاكم وإلى ضرورة عدم نقده رغم أنّ السيّد عبيد البريكي لم يشارك في الانتخابات بأيّ شكل كان بل لم تكن له الشرعيّة الانتخابيّة أصلا تلك التي كان يوظّفها للدّفاع عن حكومته وائتلافها الحزبي اليميني الرجعي الذي يقف وراءها.
واليساريون داخل الحكومات اليمينيّة كانوا من أشدّ الأوراق التي لعبت بها الأنظمة الديكتاتوريّة للمناورة مع الخارج والإيهام بالديمقراطيّة. ويعرف سي البريكي أدوار اليساريّين داخل نظام بن علي والأدوار القذرة التي أدّوها في الاقتصاد والتربية والتعليم والمجال البنكي والمجال الزراعي وفي التنظير للتفويت في مؤسّسات اقتصاديّة كبرى. ومع ذلك اختار سي البريكي وهو القادم من قلعة النضال النقابي أن ينضمّ إلى حكومة يمينيّة لا تخفي برامجها المعادية للشعب واختار الاصطفاف في صفّها والدفاع عنها بشراسة حتى لحظة إعفائه. فأن يعمل اليساريّ في حكومة يمينيّة هل يبقى يساريّا؟ ولماذا يؤسّس حزبا يساريّا بعد أن دافع بشراسة عن حكومة يمينيّة وائتلاف حزبي يمينيّ؟
4. توظيف لا أخلاقي لتراث الشهيد:
السيّد عبيد البريكي يسمّي مشروعه السياسي الذي يعزم عليه « الحزب اليساري الكبير » وهو في ذلك كرئيس حكومته، الذي أقاله بشكل أشبه بالطرد، يستثمر رمزيّة الشهيد شكري بلعيد. فالشاهد استعمل العبارة الشهيرة للشهيد « يلزمنا ناقفو لتونس » عنوانا وشعارا لخطابه أمام نوّاب الشعب في الجلسة العامّة المكرّسة لنيل الثقة في أوت 2016 والسيّد البريكي يوظّف حلمه بتأسيس حزب يساري كبير.
لكنّ يوسف الشاهد تنكّر، وهذا طبيعيّ جدّا، للشهيد بشكل غير أخلاقي واستعمل كلامه بشكل تجاري فجّ قصد كسب عطف الرأي العام وتحييد المعارضة اليساريّة الوفيّة للشهيد ومشروعه. فكانت كلّ برامج الشاهد، والتي دافع عنها السيّد البريكي بشراسة لمّا كان وزيرا، غير موجّهة للوقوف لتونس بل لهصر الطبقات المفقّرة وإفقارها والتفريط في السيادة الوطنيّة والارتهان للخارج وخاصّة إلى وأد الثورة.
II. من حيث الأصل
1. خيانة الشهيد:
إنّ العزم على تأسيس هذا الحزب فيه مغالطة للرأي العام اليساري والوطني. فالسيّد البريكي يوهم بالوفاء للزعيم الشهيد شكري بلعيد باعتباره أصوله الوطنيّة الديمقراطيّة وترؤسّه للمؤتمر التوحيدي للوطد. طيّب، ولكن لماذا يقفز سي البريكي على المسار الذي أسّسه الشهيد تمهيدا لتأسيس مشروعه الكبير؟ فالشهيد لم يؤسّسس الحزب اليساري الكبير مباشرة. بل مهّد له بتوحيد العائلة الوطنيّة الديمقراطيّة ثمّ ساهم بشكل أساسي وفعّال في توحيد اليسار عبر تأسيس الجبهة الشعبيّة. فمن يدّعي الوفاء للشهيد عليه أن يواصل مسيرته ويسير على دربه بأن يعود إلى صفوف حزبه مناضلا قاعديّا لا أن يعمل على تفيكيك حزبه وضرب جبهته.
كما أنّ للشهيد رفاق درب في الوطد الموحّد وفي الجبهة الشعبيّة اشتغل معهم وحلم معهم وناضل بينهم وساندهم وساندوه. والوفاء للشهيد يقتضي الارتماء بين رفاقه والاحتماء بهم ودعمهم ومساندتهم لا اللعب في حزامهم وإغراؤه بحزب أشول يساري الهويّة يمينيّ الهوى. والمغالطة الكبرى التي يجب أن يصرّح بها سي البريكي هي كونه ليس الوفاء للشهيد شكري بلعيد هو ما يدفعه لتكوين هذا الحزب وإنّما إغراء السلطة والسعي إلى العودة إليها بتدبير من أحد الشيوخ، ربّما!
2. تضامن بائس مع خصوم الجبهة الشعبيّة:
إنّ الإعلان عن هذا المشروع في هذا التوقيت الذي تستهدف فيه الجبهة الشعبيّة قياداتٍ وكوادرَ ومناضلين شباب ليس الصدفة أبدا. كان أحرى بسي البريكي التضامن مع رفاق الشهيد ولو بالكلمة. وهو ما لم يحدث فلم يقل كلمة واحدة مع راضية النصراوي في إضرابها عن الطعام في الوقت الذي ساندها المجتمع المدني والمنظمات الكبرى وزارها الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل. كما يصمت عن تراجع الحكومة عن الاتفاق الممضى على يديه مع المفروزين أمنيّا. إضافة إلى كونه لم يعلّق على استفزازات رئيس الدولة لرفيق درب الشهيد حمه الهمامي الذي رشّحه بنفسه لتولّي خطّة الناطق الرسمي باسم الجبهة الشعبيّة.
3. التبرّؤ من الإيديولوجيا والتقاطع مع المسار:
يتحدّث سي البريكي عن الإيديولوجيا باستنكار باعتبارها تهمة يتبرّأ منها معتبرا مشروعه الحزبي غير إيديولوجي. وهذا طبعا لا علاقة له بالوفاء لتعاليم الشهيد الرمز. وإنّما هو تقاطع صارخ مع حزب المسار الذي قام بمراجعاته منذ 2011 وعبّر عنها أمينه العام السابق المرحوم أحمد إبراهيم ويمارسه أمينه العام الحالي الوزير سمير الطيّب. فلماذا الخسائر وتكوين نسخة مقلّدة من المسار؟ أليس من الأجدى الانضمام إلى المسار ودعوة الحفنة التي معه إليه؟ إنّها فقط أوهام العظمة والصورة المضخّمة الحاصلة لسي البريكي عن ذاته إضافة إلى حسابات التموقع فالدخول بحزيب يمكن أن يضمن موقعا لرئيسه، وهذا شأن الحزيبات الصغيرة الملتصقة بالائتلاف اليمنيّ الرجعيّ.
سي البريكي جرّب السلطة بهويّة نقابيّة رئيسيّة وهويّة يساريّة خلفيّة. الآن يريدها بهويّة يساريّة إصلاحيّة مساريّة تضامنا مع خصوم الجبهة الشعبيّة. هنيئا للمسار بتمدّده اليمينيّ. فما يعزم عليه سي البريكي ليس حزبا يساريّا كبيرا بل هو حزب مساريّ مقلّد. والجبهة الشعبيّة هي النواة الأولى لتأسيس الحزب اليساري الكبير. وطريقها مازالت طويلة لتدرك الشمس وفاء لشهيدها ومؤسّسها الزعيم شكري بلعيد.


فيديو لحاتم القرمازي الشّاب المسجون لأنّه إخترع صاروخ "تونس حرّة"
الرّقاب/ بالفديو: الأمن يهشّم دكّان مواطن
بالفيديو: راوية علّاقي تروي تفاصيل إعتداء القيّم العام على والدتها
وقفة احتجاجية تطالب بالكشف عن الأطراف المتورطة في قضية اغتيال الشهيد شكري بلعيد
سندس قربوج: لهذه الأسباب يصبح أبناؤنا إرهابيّين
بالفيديو: ومضة تحسيسيّة رائعة
قدماء مناضلي الاتحاد العام لطلبة تونس يهددون بطلب اللجوء السياسي
حمّه الهمّامي يروي لأوّل مرّة ذكريات 14 جانفي 2011 في دهاليز الدّاخليّة (الجزء الثالث)
حمّه الهمّامي يروي لأوّل مرّة ذكريات 14 جانفي 2011 في دهاليز الدّاخليّة (جزء ثاني)

مدرسة المقطع ببوعرقوب : تلميذة تجرفها...

ظاهرة غربية تجتاح الجامعة : حين تنتقل...

في بلاغ لمفتي الجمهورية : الجمعة تمام...

قفصة : حامل تفقد جنينها بسبب غياب الإطار...

وزير الماليّة ينفي خبر الزيادة في الأداء...

القائمة الإسمية لرجال الأعمال و الشركات...

القائمة الإسمية لرجال الأعمال و الشركات...

هل هو الإثنين الأسود ؟

مجهر إلكتروني يمنح جائزة نوبل للكيمياء...

نوبل للطب : ثلاثة علماء يفوزون بالجائزة

تطاوين: اكتشاف آثار أقدام ديناصور بمنطقة...

عالم يكشف سر هذا المخلوق الغريب

رحيل الروائي التونسي مصطفى التليلي

الفرنسية " اودري أزولاي " تفوز برئاسة...

الملتقـى العربي حول التجارب الدستورية...

الموت يغيب الاستاذ الجامعي والناقد الروائي...