Quantcast

ربيــــــع الجزائر ! بقلم خالد كرونة

 

كنت نشرت على موقع اسطرلاب بتاريخ  8 مارس الجاري ــــ سويعات قبل أكبر حشود جزائريّة في الشارع ـــــ  مقالا عنوانه « مقدمات ضرورية لفهم الحالة الجزائريّة » و ذكرت بالحرف « إفلاس النظام وبلوغه نهايته الأكيدة » ،و ألمعت إلى أنّ أركان النظام « قرروا الاحتفاظ بالرئيس الذي يضمن لهم عجزه استمرار اقتسام المصالح والامتيازات في انتظار الاتفاق على « ترتيبات » بين هذه المكوّنات » .

إنّ مقاربة ما يجري في الجزائر دون الإجابة عن سؤال مركزي هو « من يحكم الجزائر »؟ ضربٌ من الهذر الذي لا طائل من ورائه . إذ ينبغي الإقرار بوضوح أنّ القابضين الحقيقيين على السلطة (تماما مثل حال تونس) عُصبة أوليغارشيّة من المتربّحين الرّيعيّين الذين يحوّلون جلّ ثروات بلدهم الخياليّة إلى جيوبهم ولا يتركون لأكثر من أربعين مليون جزائريّ غير الفتات، وهو ما أفرز موضوعيّا شريحة مافيوزيّة باتت أخطبوطا يمتدّ شرقا و غربا و يستوطن كلّ المجالات ويهيمن بشكل خاصّ على القطاعات ذات المردوديّة العالية أي تلك التي تحقّق أعلى هوامش الربح لا سيما   الأنشطة الاقتصاديّة ذات القيمة المضافة المرتفعة. و لا تتشكّل هذه الأوليغارشيا الرّيعيّة ــــ المافيوزيّة  كما يعتقد الكثيرون فقط من الجنرالات و كبار ضبّاط الجيش بل تمثّل الإدارة (برموزها و تشريعاتها ولوبيّاتها) السّند الرئيسي لهذه الطغمة المنتصبة على رقاب الشعب. إنّنا نقدّر أنّ إدارة الظهر إلى المضمون الاجتماعي لمطالب الشعب والاعتقاد أن الملايين الهادرة في الشوارع لا تحرّكها غير مطالب سياسيّة تلبيس لا يقود إلى غير العمى الاستراتيجي.

إنّ الإجابة ـــ وإن على عجل ــــ عن سؤال « من يحكم الجزائر » تستدعي مباشرة معالجة ثاني الأسئلة : من ينتفض في الجزائر؟ لقد أضحى جليّا أنّ الحراك مُواطنيٌّ بامتياز ، أي أنّ المشاركين خلال الأسابيع المنصرمة في الاحتجاجات يمثلون كلّ فئات الشعب من موظفيه وتجاره الصغار (الذين تطحنهم المافيا) وفلاحيه ( الذين يعانون الويلات في داخل البلاد) وشغاليه وسكان الأحياء الفقيرة والأهمّ أنّ عموده الفقريّ من الشباب الذين يشكلون حوالي 75 بالمائة من مجموع السكّان ، ولكنّ الانتفاضة أثبتت أيضا تخلّف النخب من كلّ الأطياف ف »المعارضة » تجاوزتها الأحداث التي لم ترفع صور زعماء ولا رايات أحزاب الوهم الديمقراطي، بل يمكن القول إنّ التعبئة الشعبيّة أقالتها قبل إقالة رموز النظام مثلما تجاوزت « المجتمع المدني » الذي انكشف عجزه فانطلقت سفينة التغيير بلا قيادة و بلا برنامج وهو ما تلقّفه أركان النظام مراهنين على استراتيجية « التفاف » (نتوقف عندها لاحقا) وهو أيضا ما حوّل نحوها أنظار القوى الدّوليّة وكثير منها متربّص في ظل واقع جيو ــــ سياسيّ متقلقل يُعادُ فيه تشكيل موازين القوى إقليميّا ودوليّا سماته الأبرز :

ـــــــ تراجع الهيمنة الأمريكيّة و انحسار الدور الصهيونيّ و تراجع دور تركيا و بقيّة بلدان حلف الناتو

ــــــ اقتراب الاندحار النهائيّ للمنظمات الإرهابيّة في سوريا وفي العراق

ــــــ بداية صفحة جديدة في الجارة ليبيا التي ستشهد ــــ فيما نَحسبُ ـــ تحولات سريعة في قادم الأيّام (لا الأشهر)

ــــــ هزيمة السعوديّة و « التحالف العربي » المدوّية في اليمن وما ستخلّفه من تداعيات أبرزها سقوط صفقة قرن ترامب

ـــــ دخول انتفاضة السودان بعد 3 أشهر منعرجات جديدة نُقدّر أنّها ستنهي ـــ ولو بعد حين ــــ عقودا من غطرسة النظام

إنّ مجمل هذه العناصر تؤكّد أنّ عالما جديدا يتشكّل على أنقاض عالم القطبيّة الأمريكيّة المنفردة لصالح قوى صاعدة يتصدّرها الصيني و الروسي يدفع  إلى تزايد نفوذ قوى إقليميّة ( الفضاء العراقي السوري الإيراني

اللبناني)، وهي تحوّلات تخلق موضوعيّا موازين قوى جديدة و تفتح الطريق لتغييرات محتملة في أكثر من بلد ،و تُغرقُ قشّة النجاة التي يتعلّق بها النظام الرسمي العربيّ ، نعني تسريع الاتجاه نحو التطبيع .

وإذا عدنا إلى الجزائر ، التي تنتفض قبيْل « قمّة تونس العربيّة » ، يمكن استخلاص النتائج التالية :

ــــــ من الواضح أنّ النظام في أقصى درجات الارتباك ، وأنّ رسالة محيط الرئيس بوتفليقة من جينيف الأسبوع الماضي آلت إلى سلّة المهملات ، وما حدث يوم 8 مارس بكلّ مدائن الجزائر دليل أكيد على صحّة هذا التحليل الذي نلخّصه في أنّ الشعب خرج ليُسمِع صوته لرئيس لم يُسمَعْ له منذ سنوات صوتٌ .

ـــــ  إعلان يوم 11 مارس (أمس) حلّ لجنة الانتخابات و تغيير الحكومة و رئيسها و استحداث منصب جديد على مقاس موضع ثقة النظام ( نائب رئيس الوزراء) و إلغاء انتخابات 18 أفريل و دعوة رموز قديمة (الأخضر الإبراهيمي) لرسم خارطة طريق انتقاليّة لن تفعل غير صبّ الزيت على النّار ، لأنها سياسة تصامُم عن مطالب الشعب بكلّ فئاته إذ تطرح جملة من الأسئلة الخطيرة :

1 إعلان عدم ترشيح بوتفليقة لعهدة جديدة و الإبقاء عليه رئيسا خلال المرحلة الانتقاليّة (بعد نهاية ولايته )استهانة بمسار التغيير واستمرار في سياسة إذلال الشعب

2 مبدأ كتابة دستور من « لجنة » يختارها النظام القديم و بعض « العصابة » الريعيّة ــــــ المافيوزيّة أكذوبة كبرى لن تمرّ في الساحة ولن يقبلها الميدان

3 استبعاد بعض رموز العصابة الحاكمة المتنفذة لا يمثل عامل تهدئة لأنه يتمّ لصالح رموز أخرى لا تقلّ إجراما في حقّ الجزائر

4 الإيهام بالانحناء للإرادة الشعبيّة و تقديم وعود « الوهم الديمقراطي » الذي ينبت في رحم الفساد ضحك على الذقون و سوء تقدير من النظام نرجو ألاّ يقود البلد إلى مهالك كان يمكن تجنبها .

5 النقاش القانوني الذي انطلق حول « خارطة الانتقال » في ظلّ مواقف القضاة المعلن و مواقف المحامين الجزائريين وفي ظل مواقف نخب الجامعات و الشخصيات الرمزية من المجاهدات و المجاهدين لن يفعل غير مزيد تعبئة الشارع ضدّ « تذاكي » عُصبة النظام .

6 الإغراء بهيئة انتخابات « مستقلّة » لا يمثّل ــــ في تقديرنا المتواضع ــــــ طوق نجاة الحيتان الكبيرة و القطط السّمان في ظل أكذوبة « قانون انتخابيّ » جديد.

7 مشاهد « السعادة الليلية » بـــــــــــ »القرارات التاريخية » في عاصمة الجزائر أمس ليست غير كرنفال باهت يذكّرنا في تونس بــــأجواء 13 جانفي 2011 ،بعضه عفويّ يستبطن لذة « نصف انتصار » و بعضه يتمّ إخراجه و توجيهه.

8 كلّ من يعتقد أنّ شعب الجزائر سيلزم البيوت و سيفرّط في الفضاء العامّ الذي امتلكه واهم تماما، بل ينبغي أن نتوقّع مزيدا من الانخراط في الانتفاض بعدما تحطّم حاجز الخوف الذي اشتغل عليه النظام وآلته الدعائيّة ، وهو حاجز بُني على أساس الترهيب من العودة إلى عشريّة الدّم كلّما تفاعلت في المجتمع ديناميكيات التغيير .

9 على النخب ، بدلا من غرس الرأس كالنعام في الرمل،وبدلا من زرع الخوف، أن تخجل من الاصطفاف مع المافيا تحت دعاوى الوطنية والخشية من المصير، فالمثقفون الحقيقيون لا يخافون شعوبهم ، والجلادون وحدهم من ينبغي أن يخشوا غضبته .

10 بدأ ربيع الجزائر ، ولا رادّ له ــــ وإن كره الكارهون ــــ بيد أنّ هذا لا ينفي مطلقا المخاطر المحدقة (التي لا تبرر القعود عن الإسناد لأنه ببساطة موقف رجعي وضيع)  والأفضل للنخب أن تدرك أنّ نهر التاريخ لا يغيّر مجراه ،

وأنّ عليها واجبا تاريخيّا ووطنيّا ثقيلا ، فكلّ شعوب الأرض لا تخونها غير طبقتها السياسيّة « القديمة » ( المعارضة الحالية هي الأخرى جزء من هذه الطبقة) فالجماهير تهدر في الشوارع ولكنّ رسم المستقبل مسؤولية المثقف.

11 تراجع النظام و سقوط « العهدة الخامسة » سيجرّه إلى تنازلات جديدة حتما ،و سيُسقط الأحلام بالالتفاف على الشارع الغاضب ولكنّ المبادرة السياسيّة الوطنيّة ينبغي أن تتبلور في خارطة طريق أخرى على إيقاع الشارع الذي نتوقّع أن يكون هادرا يوم 15 مارس القادم .

على سبيل الخاتمة :

أن تُحبّ الجزائر فعلا هو أن تؤمن بأنّها جديرة بحياة سياسيّة متطورة ،وأنّها تحتاج فعلا إلى محاسبة عصابة خنقت أفق التقدّم و أعاقت عقودا رفاه الشعب وجعلته يعيش ويلات الفقر و التهميش. وأن تكون معاديا لقوى الاستعمار العالمي لا يعني أبدا أن تهين إرادة الشعب، والأهمّ أنّ وجود مخاطر من الداخل و من الخارج ( وهي مخاطر حقيقية) لا يبرّر مطلقا التذبذب في مناصرة قضيّة الشعب العادلة بل المبادرة إلى الفعل فيها لتحصينها من قوى الردّة .

أمّا فوبيا الإسلاميّين ،(لدى محللينا الجهابذة في تونس) فهي محزنة فعلا ، لأنّها لا فقط تدلّ على ضيق الأفق السياسيّ بل أيضا على غياب أيّ فهم لتبدلات السياسة الدوليّة . فما حصل في 2011 من دعم أمريكي تسنده أدوات إقليميّة و تموله ممالك خليجيّة لصالح التيارات الإخوانيّة لا يمكن تكراره لأنّ استراتيجية الأمريكي القائمة على التمكين لهم باتت من الماضي . علينا نبذ الأوهام ، وقراءة متغيرات الواقع ، من دون تهوين « مؤامرات » الخارج، ولكن أيضا من دون أن نحبس عقولنا في نظريّة المؤامرة لأننّا وقتها لا نفعل غير التآمر على عقولنا و غير مهادنة الجلادين واللصوص و المافيا .

سيكون الانتقال الجزائريّ طويلا و شاقّا ،بدأ اليوم مع مظاهرات طلاب العاصمة رفضا لإعلان الرئيس العائد من مشفاه مدعيا أنه سيشفي أدواء بلده، و سيحتاج نباهة في إدارة الصراع وحكمة استراتيجية عالية نرجو أن يتوفق إليها الفاعل الجزائريّ الذي سينجح كلّما حافظ على مسافة سيادة  تحصنه من الفاعل الدوليّ المربَك هو الآخر تماما كنظام الجزائر والمنهك أيضا مثله .

دعوهم يترنحون، ولا تستهينوا بإرادة الشعوب ، ولا تعظموا قوة العدوّ . ولكن ، في الضفة الأخرى ، لا تدعوا شعبا عظيما بلا بوصلة ، لأنّ مقتل الانتفاضات عفويتها و غياب البرنامج و خلوّها من القيادة .

تحيا الجزائر ،، تحيا فخامة الشعب

 

خالد كرونة ـــــ كاتب من تونس

 

 

 

 


فيديو لحاتم القرمازي الشّاب المسجون لأنّه إخترع صاروخ "تونس حرّة"
الرّقاب/ بالفديو: الأمن يهشّم دكّان مواطن
بالفيديو: راوية علّاقي تروي تفاصيل إعتداء القيّم العام على والدتها
وقفة احتجاجية تطالب بالكشف عن الأطراف المتورطة في قضية اغتيال الشهيد شكري بلعيد
سندس قربوج: لهذه الأسباب يصبح أبناؤنا إرهابيّين
بالفيديو: ومضة تحسيسيّة رائعة
قدماء مناضلي الاتحاد العام لطلبة تونس يهددون بطلب اللجوء السياسي
حمّه الهمّامي يروي لأوّل مرّة ذكريات 14 جانفي 2011 في دهاليز الدّاخليّة (الجزء الثالث)
حمّه الهمّامي يروي لأوّل مرّة ذكريات 14 جانفي 2011 في دهاليز الدّاخليّة (جزء ثاني)

.. التفويت في شركة مصادرة كانت على ملك بلحسن...

الزيادة في جرايات المتقاعدين ستكون بمفعول...

وفاة المحامي والمناضل الحقوقي عمر الصفراوي

كلية الآداب بمنوبة في خدمة مهرجان...

عدم الترفيع في كلفة القروض السكنية...

الجودي : الترفيع في نسبة الفائدة المديرية...

سعيدان : الترفيع في نسبة الفائدة المديرية ...

مصدر نقابي من الجامعة العامة للبنوك يعلق ...

رجة أرضية شرق جزيرة قوريا من ولاية المنستير

ظاهرة فلكية نادرة تجمع الزهرة والمشتري في...

الخسوف الكلي لقمر" الذئب الدموي العملاق "...

خطوة علمية غير مسبوقة : الصينيون يحملون...

رحيل الأديب محمد الهادي بن صالح

الروائية سعاد الفقّي بوصرصار : الخطاب...

فسحة الأحد الشعرية يكتبها عمار جماعي ....دون...

اكتشاف مقبرة فاطمية تعود إلى القرن الـ 4...