Quantcast

رسالة تلميذ إلى من يهمه الأمر في ذكرى 14 جانفي بقلم خالد كرونة

   

ليس أقسى من أن يعتمل في داخلك ما تودّ البوح به إلى الآخرين ، ولكنّك تحتار في اختيار من توجّه إليه خطابك .

 أيّها السادة ، أنا شاب من هذا البلد لمّا أبلغْ العشرين ، ما زلت أختلف إلى مقاعد الدّرس في بعض معاهد هذا البلد . صحيح أنّني كنت أصغر مِن أن أدرك ما يجري حولي قبل سنوات حين فاض سيل البشر في الشوارع وتحرّرت ألسنتهم بعد خرس طويل . ولكنّني ما أفتأ أذكر ما حدّثنا بعض أساتذتي، فقد ثبّت ذات صباح على اللوحة السوداء المتآكلة بخطّه المرتبك ما كتبه في ثقة الروائيّ الفرنسي « بلزاك » تحت لوحة جداريّة يقرفِص داخلها نابليون :   » ما لم يحقّقْه سيفُك سيحقّقه قلمي  » .  ولن أخفيَكم أنني وبعض رفاق الدرس ضحكنا ساعتها ، ولعلّنا سخرنا منه في دواخلنا .

و أجدني اليوم، بعد مضيّ أعوام ،وأنا أتهيّأ إلى طيّ صفحة من حياتي الدراسيّة آملا أن أصير طالبا في بعض الجامعات، أستعيد هذه الذكرى التي تلحّ عليّ وأنا أشهد لعبة السيف والقلم ،وأبصُر مشهد الإمبراطور الصامت والكاتب الحالم الذي لا يجفّ له قلم يُستعادُ واقعا لا حكْيا ، وعِيانا لا خبرا.      سادتي : لا أخفيكم أنّ ذات الأستاذ الذي خطّ تلك الحروف الناصعة على لوحة الجدار القميئة، تهدّج صوته يومها وهو يخاطب عقولنا الصغيرة ، أخبرنا فيما يشبه الاعتراف وبِما يماثل الهمس أنّ جيله، يعني جيل آبائنا، مرتبك وحائر وخجلٌ أيضا.. قال يومها إنّه من جيل فاشل . ووسط دهشتنا، أضاف في مرارة أنه يعتقد أنّ جيله سيخلّف لمن بعده تركة ثقيلة..

حدّثنا ـــ فيما أذكر ــــ أنّ بعض دول جنوب شرقيّ آسيا كانت في مثل حالنا بعيْد الاحتلال، وأنّها واجهت    ـــ هي الأخرى ـــ بعض النكسات، ولكنّها تمكنت من توفير رفاه لسكانها محا أثر البطالة و شيّدت اقتصاديات يساوي فيها الدخل الفردي الشهري أو يفوق معدّل الدخل في أوربّا لأنها فقط أدمجت     ــــ رغم الصعوبات ــــ العلوم والتقنيات الحديثة في عمليّة الإنتاج فصار الشغالون مهرة وباتت منتوجاتهم متقنة و تنافسيّة حتّى أضحت دولهم تبزّ الدول الكبرى . كاد الدمع يطفر من عينيْه يومئذ، وكنّا ساعتها لا نكاد نعي ما يقول . اعتذرَ منّا لأنّنا سنرث دولة فقيرة و ديونا متراكمة ،ومُدنا بلا حدائق، وطرقات محفورة لا ينبت على جانبيْها ورد. وأسِف في صوت مترجرج أنّ مدارسنا خاوية من البهجة..

والآن ، أظنني أدركت بعض مقاصده . فلا شيء في المدارس ــــ تقريبا ــــ يبعث على التفاؤل …      نحن يا سادتي في لحظة تعميم الخراب ،، خرابِ الجدران و أخاديد الوجدان…  جيلنا ــــ كما قال سيّدنا ــــ أعلى فطنة وأوسع حُلما من أسيجة المعاهد.. لا تقنَطوا من سراويلنا المثقوبة، فهي أقلّ سوءا من الذاكرة المثقوبة . ولا تعيّرونا بالخيوط التي تتدلّى حول أعناقنا فهي خير من حبال المشانق التي تركتموها تلتفّ حول أحلامنا .. ولا تعيدوا علينا بعد اليوم إسطوانة « الزمن الجميل » فهي بهتان ..      فما تزال على ألواح  القاعات المهترئة شواهد على برامج مكرورة عتيقة كزيت قنم ،وما يزال المدرّسون يعيدون على مسامع الشبان ما تعلموه قبل أربعين عاما دونما تغيير يذكر.. وما برحت المقاعد نفسُها ثابتة في مواضعها تئنّ  و تئزّ و تنتصب وصمة  إذْ لم يدْعُها « داعي الرحيل » . فإذا التفتّ إلى النوافذ أدركتَ هول الواقعة .. نوافذُ لا نفاذ منها لأنّ المسامير استوطنتها لتمنع فتحها ،، صورة أمينة من انحباس الأنفاس و استعصاء تجدّد الهواء ..  وأترك لخيالكم أن ينسج بديع الصور عن حال الساحات، و غَناء المكتبات، وطلاء القاعات، ولذاذة طعام المبيتات ، وفتنة النيلوفر والزنابق والقرنفل والياسمين … آه من الياسمين ..

سادتي … يملؤني الفزع حين أقرأ على صفحات الميديا الرقميّة ( وهي عالمنا الوحيد) أنّ آلاف الأطبّاء والمهندسين والجامعيين قد هجروا البلاد بعد أن أمحلت .. أفتستكثرون على جيلنا مجرّد الحلم بالرحيل؟ ولم تعجبون إذا علمتم أنّ خيالات أغلب القعود على تلكم المقاعد الحزينة تطوف في عواصم أخرى شوارعها نظيفة و أشجارها باسقة أنيقة؟ عالم الميديا مذهل أيها السادة .. فتح بصائرنا على مدارس لا تشبه ما أعددتم لنا .. وعَرج بنا إلى سينما لا تشبه ما تعرض صناديقكم العجيبة…   لا تندهشوا، نحن جيل تعلّم اللغة الكوريّة من الأغاني وأفلام اليوتوب، و اعذروني إن قلت في بعض الصلف إنّنا نعرف خيرا من مدرّسينا اتجاهات التغيير في العالم ..تعلّمنا بعيدا عمّن يُفترض أن يُعلّمنا صنوف الغناء ومدارس الرقص و ألوان الرسم وألعاب العالم الافتراضي ولكنات بعض الألسن واللغات فلا تكرّروا على مسامعنا رجاء أساطير « الزمن الجميل » و لا تأسرونا في صورة جبن مَحلّي قديم كُتب عليه « يُتناولُ مع الخبز » !

نسمع بين الفينة والفينة ما تقول الإذاعات.. بوركَ في أصواتها.. ونرى فيديوهات ممّا صوّرت التلفزات.. أشفقت علينا من تأخّر الامتحانات، ومن أيّام الإضرابات.. اللّهَ اللّهَ في أمرهم !!  حدّثني والدي عن وزير « قريب » لا مراء في قوله فهو « صادق » تربّع زمن صهر كادوريم على عرش التعليم .. قال والدي إنه سمعه يقول في بعض الأيام : « يولد الطفل التونسي غاضبا باكيا ولكنه سرعان ما يشعر أنه ابن عهد زين العابدين بن علي فيتعلّم الضحك و يتعلّم ابتسامة التفاؤل والسرور ».. وأضاف أبي بصوت مكلوم لايشبه غير صوت سيّدنا عاشق بلزاك ، أنّ القول المأثور إنّما كان في محاضرة « قيّمة » بلا شكّ ممهورة بعنوان : « البعد الإنسانيّ في فكر بن عليّ » .

سادتي … هذه هي المدرسة التي منحتمونا .. تسوّي بين فكر شوبنهاور و كانط ، وعقل فوكو و بورديو، وتعقّل ديكارت و تبصّر ماركس….وبين « فكر » الجنرال ..

ياسمين 14 جانفي لا يشعر جيلنا أنّه نبت في أرضنا ، مازال شوك « الصادق » في مدارسنا، ومازال الوسخ في شوارعنا ..ما زال الشرطيّ يستوقف أبي يطلب « هديّة » بدلا من تحرير مخالفة مروريّة ، ومابرح الممرّض في المستشفى يدسّ في جيبه دريهمات في خجل كاذب يقدّمها قريب المريض علّه يظفر بجرعة من عناية إنسانيّة .. وما تزال التماسيح تبتلع السميكات في بلدي .. وما زال في المعلّمين وفي الأساتذة أيضا من يدعونا ــــــ بلا خجل ـــــ إلى دروسه الخاصّة « جدّا « ينهب بها ما تبقّى في جيوب الآباء بعد أن نهبه هو الآخر البؤس والغلاء .. و ما زال القضاء ينتظر ردّ القضاء ….

لاتتوهّموا سادتي أنّنا ـــــ جيل الشباب ـــــ ذاهلون عن هذا الخراب .. صحيح أنّ ما يجري في مدارسنا يُربكنا ..وأنّ الأفق لا يبدو له صفاء .. ولكنّنا ندركُ خلافا لأساتذتنا أنّ غضبهم تأخّر … وما زلنا نثق بحبّهم،( عدا قلّة) وما زلنا نكتبُ لهم عبارات الودّ كلّ يوم على صفحاتنا التي لا تعرفون .. فلا يخلو معهد في عطلة من حصص محبّة قبل أن تكون دروسا … قد نكون فعلا بصدد دفع قسط من ثمن الالتفات إلى المدرسة ، ولا شكّ أنّ بعضنا قرف وأصاب نفسه العطبُ..ولكنّ العطب أكبر من « مقاطعة »… إنّه عطب تأخّر « القطيعة » ..القطيعة مع دروس محنطة وامتحانات أقرب إلى المسرحيّات.. نحن أيها السادة نرى التعليم في الدانمارك ، ونشاهد قاعات الدرس ومضمونه في فنلندا ، ونعرف فيما نعرف بعض حياة التلمذة في كندا، نحن خلافا لكم نرى « الزمن الذهبيّ » أمامنا ،،فلا تشغلونا بخوفكم « علينا » فلم يقتل أحلامكم غير الخوف .. أمضيتم دهرا لا تفتحون أفواهكم إلاّ في عيادات الأسنان، ثمّ جئتم اليوم تظهرون الولهَ علينا والجزع .. وما زال صاحب السلامة يظنّ بنا السفاهة فخشي علينا      ـــ لاعدمناه ــــ التعبئة الإيديولوجيّة ، وما زال الشاهد لم يغفر للغة أنّها أقعدته في المقابر بعضا من الأحجار، تُنقش فوق اللحود، ومازال الجامعيّون في اعتصامهم ينبئوننا أنّ القادم أخطر…

اغفروا لي ــــــ سادتي ـــــ جراءتي على اطمئنانكم ،و إشفاقي من خوفكم، ولكنّ شاعر تونس الفذّ قال يوما:

            أبارك في الناس أهل الطموح           ومن يستلذّ ركوب الخطر 

صحيح أنّ المخاطر تحوق بنا ، ولكنّ حنّا البحّار العتيق و الروائيّ العميق من بلاد الشام جدّد يوما نهج  « بلزاك » فخطّ  قلمه:  « من قلب المحنة ، يشرق أمل الخلاص ».

خالد كرونة ـــ كاتب من تونس


فيديو لحاتم القرمازي الشّاب المسجون لأنّه إخترع صاروخ "تونس حرّة"
الرّقاب/ بالفديو: الأمن يهشّم دكّان مواطن
بالفيديو: راوية علّاقي تروي تفاصيل إعتداء القيّم العام على والدتها
وقفة احتجاجية تطالب بالكشف عن الأطراف المتورطة في قضية اغتيال الشهيد شكري بلعيد
سندس قربوج: لهذه الأسباب يصبح أبناؤنا إرهابيّين
بالفيديو: ومضة تحسيسيّة رائعة
قدماء مناضلي الاتحاد العام لطلبة تونس يهددون بطلب اللجوء السياسي
حمّه الهمّامي يروي لأوّل مرّة ذكريات 14 جانفي 2011 في دهاليز الدّاخليّة (الجزء الثالث)
حمّه الهمّامي يروي لأوّل مرّة ذكريات 14 جانفي 2011 في دهاليز الدّاخليّة (جزء ثاني)

وزيرة الصحة بالنيابة "وفاة 6 رضّع بمستشفى...

فتح تحقيق في وفاة 6 رضّع بمستشفى محمد...

وفاة 6 رضع بقسم الولدان في مستشفى الطاهر...

ّاستطلاعات الرأي حول الانتخابات : دار...

الترفيع في تعريفة الكهرباء والغاز

أسعار النفط تقفز أكثر من 5 بالمائة

عدم الترفيع في كلفة القروض السكنية...

الجودي : الترفيع في نسبة الفائدة المديرية...

علماء الفلك يكتشفون نوعا نادرا من المجرات...

اليوم : مشاهدة وميض كوكب المشتري بالعين...

أصوات غريبة على سطح المريخ

رجة أرضية بمنطقة القطار من ولاية قفصة،

تعرّف على الوجه الآخر لجزيرة " لامبدوزة " في...

رفيف الكلام ..بقلم عمار جماعي ( الخال ) .. من...

وفاة المفكر السوري طيب تيزيني

شبه مريب بين مسلسل "المايسترو " وفيلم فرنسي...