Quantcast

شِطرنجُ اليعقوبي،و نَرْدُ الطبوبي بقلم خالد كرونة

 

ملاحظات تمهيديّة :

1 يستمدّ قطاع التعليم الثانوي قوّته من تجربة تاريخيّة راكمها أيّام الدكتاتوريّة فقد كانت « النقابة العامّة للتعليم الثانوي » (تسميتها القديمة) لزمن مديد ،بقياداتها المتعاقبة ، بصرف النظر عن نجاحاتها وإخفاقاتها، خصْمَ منظومة الحكم الأوّل ، ولعبت دورا طلائعيّا في ترسيخ بعض ما صار الآن من « ثوابت » الاتحاد مثل اللوائح السياسيّة المتعلقة بالأوضاع في المنطقة العربيّة أو المسألة الفلسطينية     أو صبغ مواقف الاتحاد من الحصار الجائر على العراق ثمّ بعد ذلك إبّان الغزو الأمريكي .

ـ2 خاصيّة القطاع الثانية ، أنّه الفصيل النقابي الوحيد من دون مبالغة، الذي أحكم الربط عبر مساره الطويل بين التصدّي للاستبداد، وبين الدفاع عن منظوريه، مكرّسا ما يمكن اعتباره « قطيعة ميدانيّة » مع توجهات القيادات النقابيّة المركزيّة التي « طبّعت » مع الدكتاتورية و باتت عرّاب المناولة ومخلب الجنرال للفتك بمطالب الشغالين، بل كانت من أذرع النظام السابق، ولذلك خذلت الشعب عندما انتفض واكتفت حين كان المخلوع يتهاوى بما سمّته وقتها « ترك المبادرة للجهات » . حينها لعب نقابيّو الثانوي في المعتمديات و في الولايات دورا محوريّا في تأطير الحراك الثوري و تجذيره مستفيدين من رصيد القطاع التاريخي وإرثه المشرّف ومن مكانتهم الاعتبارية أيضا .

3 ميزة القطاع الثالثة أنّه شديد التنوّع من حيث المكونات السياسيّة لمنخرطيه فضلا عن كونه أكبر تشكيل مهني في تونس يضم ما يقرب من 100.000 من الأساتذة يتحملون واجب تأطير  و تعليم ما يقارب المليون من شباب تونس في الإعداديّات و الثانويّات، وقد تمكّن في جلّ المحطات من إدارة الاختلاف بطريقة مدنيّة ، سمحت بتوحيد الممارسة النقابيّة بل مكنته بمعيّة قطاع التعليم الأساسيّ (الابتدائي وقتها) من خوض إضراب سياسيّ لا نظير له في عموم المنطقة ضدّ مشاركة وفد صهيوني في قمّة المعلوماتيّة سنة 2005 طبع ولا يزال ذاكرة الشباب التلمذيّ و جمهور المدرسين الذين خاضوه من القطاعيْن .

 ـ4 كلّ المكاتب النقابيّة الوطنيّة في الثانوي  كانت دوما مُصنّفة من جانب المركزيّة على أنّها  » متنطعة »، وقد تمّ وصمُها مرات كثيرة من قبل إعلام الدولة و مسؤوليها بأنّها « في خدمة أهداف سياسيّة » وأنها « فئويّة » ، وهي ذات الاسطوانة التي تستخدم الآن بمساحيق جديدة .

الشطرنج و اليعقوبي :

يعرف لاعبو الشطرنج أنّها لعبة « رقعة استراتيجية » ، ويعلمون بالتأكيد أنّ الملكة هي الـــــ « أقوى » ضمن 16 قطعة ،وما لا ينبغي أن يغيب عن البال أنّ الاتحاد الدولي للشطرنج يمنح اللاعبين المحترفين ألقابا. بيْد أنّ أعلاها هو لقب « أستاذ كبير » . و قد أدركت « الجامعة العامة للتعليم الثانوي » وكاتبها العام الأسعد اليعقوبي أنّ هذه « النقابةـــــ القِطعة » هي ملكة الرقعة النقابيّة التونسيّة،(نوعا و عددا) وأنّها تنتسب إلى « كبير الأساتذة » نعني الاتحاد العام التونسي للشغل .

وكان طبيعيّا أن « تتزحلق » الملكة على الرقعة وأن تطفر بيسر المربعات البيضاء و السّوداء، والترجمة السياسيّة للعبة تتمثل في شعارات الأساتذة يوم أمس، 19 ديسمبر 2018 في تجمّع قطاعيّ تاريخي هو الأكبر من حيث التعبئة والحجم لم يعرفه تاريخ « الأستاذ الكبير » من قبل .

إنّ مضمون التجمع العام من خلال التوقف عند شعاراته المركزية يتعدّى المطالب المادّيّة (التي تشبه باقي قطاعات الشغالين) إلى ما هو أهمّ :

ـــــــ طرح برنامج نضاليّ يراهن على بناء مدرسة جديدة على أنقاض مؤسسة تمّ تدميرها خلال العقود الأخيرة فباتت « محضنة » شبان بدلا من أن تكون « منبتا » يزوّد الجامعة بعقول تنتج المعرفة والقيمة المضافة. إن هذا البرنامج يتكثّف في عنوان واحد : إصلاح هيكليّ وشامل لمنظومة التعليم العموميّ وهو مطلب يفترض أنه مطلب الشعب لا مطلب قطاع.

ـــــ تعميق القطيعة (على مربّع الشطرنج) بين الأساتذة وبين منظومة الحكم القديمة التي جرّت الويلات على التعليم ومن هنا تمّت في شعارات التجمع العامّ استعادة كلّ الإدانات لحقبة بن عليّ و ترذيل بيادقه و قلاعه و فرسانه أيضا  على اختلاف ألوانهم وشُعَبهم وأساليبهم.

ــــــ أدانت « الملكة » ( نقابة الثانوي) و منظوروها  نهج التفريط في ما بقي من سيادة وطنية على يد منظومة 2014 الحاكمة التي لم تعجز فقط عن إصلاح أحوال البلد، بل عجزت حتّى عن تسييره وصارت أداة طيعة للأجنبيّ تستقوي به على الشعب المنكوب . إنّ إعادة الأساتذة البريق إلى قضية « السيادة » و إلى عنوان « العدالة الجبائيّة » بعد أن اكتسحوا الفضاء العامّ أمس في قلب العاصمة بعشرات الآلاف مسمار جديد يُدقّ في نعش المساومين من المتربحين الريعيين ومن المافيا التي تجثم على الشعب وتخنق أنفاسه.

ـــــ أمّا اليعقوبي ،فهو ــــــ فيما نقدّر ـــــ رجل استثنائيّ ، وهو استثنائيّ لمجرّد تحمّله حجم الضغط الهائل الذي ينصبّ عليه من كلّ اتجاه ، نيران الأعداء و نيران الأصدقاء .

لنفحص الأمر ببعض الرويّة : سنفترض مع كلّ ملاحقيه بالشتم والتعريض وأقذع النعوت أنه كوم من الرداءة. هل يمكن أن يتخيّل عاقل واحد عارف بنظام « الأستاذ الكبير » الداخلي أنّ شخصا مفردا يتحكم برقاب قطاع ؟ ألا يعلم الجميع أنّ آليّة التصويت في كل هياكل الاتحاد هي أداة إدارة الخلاف الفعالة؟ أليس الهيكل الذي يقرّر التحركات هو أعلى سلطة قرار قطاعيّة أي الهيئة الإداريّة ؟ أليست تتكوّن من كلّ الكتاب العامين الجهويين فضلا عن أعضاء المكتب الجامعي ؟ هل علمتم يوما أنّ كاتبا عاما لمكتب جامعيّ صوّت لفائدة قرار أو ضدّه بدلا من أعضاء الهيئة الإداريّة؟

اليعقوبي ليس ملاكا ..ولا هو شيطان .. قد تكون له زلاته، وربّما تحرّكه طموحاته (وهي مشروعة وفق المنطق النقابي) ، ولكنّه تحمّل وزرا كبيرا وحملات متواليات من أقلام الكترونيّة و وجوه إعلامية نوفمبريّة، أطلّت برأسها من سلال القمامة المحنطة لتخدم أسيادها السياسيين من الدرجة الصفر متطوعة لتستر عوراتهم و تتعمد التضليل عبر الشخصنة . إذا صار هذا الرجل يوما زعيما، فذلك بفضلهم، فقد كان مكتفيا إلى حدّ الساعة بكونه كاتبا عامّا لــــــــــــــــ »الملكة » ..

ولنكن صرحاء ، إنّ رجلا يقاسمني إدانة المافيا و يدعو إلى القطيعة مع الفساد ، ويشاركني  إدانة     كل مساس « كريستينيّ » بالسيادة، ويقرع نواقيس الخطر طالبا إغاثة مدرسة الشعب التي علّمتنا ،      لن أسمح لنفسي أن أعاديَه ، والأولى أن نلتفت إلى الذين باعوا الشعب أوهاما حول الرفاه القادم    عبر مؤتمرات الاستثمار و قوانين المصالحة وبرامج الانتخابات الخادعة التي لم تكن غير بريق خُلَّب.

النَّردُ و الطبوبي :

معلوم أنّ لعبة زهر النرد ، مكعّبات تمتدّ أرقامها من 1 إلى 6 ، وقد تكون على مَحْمَل غير مكعّب.     ويقال إنّ « أردشير بن بابك » (الفارسي) هو مخترع اللعبة ، وقيل إن « شير » معناه الحلو، و هكذا يصبح معنى الاسم « الزهر الحلو ». ولكنّ لعبة النّرد لا تتمّ بـــــــ »النقلات » شأن الشطرنج، بل تكون بـــــ »الرّمْيات » . وإذا كانت لعبة الشطرنج تستند إلى استقراء الافتراضات،و تبيّن الاحتمالات، فإنّ لعبة النّرد تقوم فقط على « رمي » الزهرات و قراءة أرقام المكعبات ،في استسلام للمصادفات و انتظار لما هو آت ..

ولستُ أدري إن كانت رمية نرد قادت « الأخ الأمين العامّ » إلى موقعه، أم علاقة النَّـــوْرِ في اسمه بنوْر النّرد،(زهره) ولكنّ ما أعلمه يقينا أنّ المنظمة باتت منذ فترة ليست بالقصيرة بين « الشيش » و »البيش ».. بين قرطاج 1 و قرطاج 2 . وهي بين رميات فرديّة وأخرى زوجيّة .. يركض « زهرها الحلو » أحيانا في اتجاه الرئيس الغرانق الشابّ، ويرتمي أحيانا عند قصر كثير الأبواب .

وآخر الرّميات، نطّت الزهرة  في عيد القيامة الديسمبريّة خارج المربّعات الإطاريّة، فرأينا الأخ يكرّم أخاه ذا الشاشيّة،ويرمي له وردا من فصيلة « بيش » في يوم الاحتفال البوزيدي بفصيلة « شيش » . رمية تشبه رمي الرصاص إلى الخلف، ترجمتها السياسيّة تخبّط المركزيّة . فمن جهة، تُظهر الجزع على واقع البلاد، وتفكّر في الدخول بثقلها في الاستحقاقات القادمة، ومن جهة تجري مصالحة رمزية مع ممثل البنعليّة على منوال المصالحة الاقتصاديّة السبسيّة . ورميتها الثانية ، رميُـــها خلف ظهرها ملفّ التعليم، رمت إليه آلاف القبلات، و نبذته » في العراء وهو سقيم » ،فريسة كل « معتد أثيم ».

وما يزال لاعبو الشطرنج يداورون، والصدامَ يتجنبون . ولكنّ عقل الشطرنج قد لا يصبر كثيرا على دحرجات المكعبات، وعدّ الوردات.. ومن صالح « الأخ » وفريقه الملازم ، أن يتخطّى الهوّة، وألاّ يتسرّع في رمي الورد،واحتساب أرقام النرد، لأنّ حساب البيدر قد لا يكون حساب الحقل.

من صالح الاتحاد « الأستاذ الكبير » أن يحتكم إلى العقل و التدبير، ومن صالح المركزيّة أن تصالح عنفوان القطاع لا أن تتكرّم عليه بتعليق الاقتطاع .

إن وحدة الاتحاد شرط لا مناص منه في ظلّ تحولات خطيرة تشهدها المنطقة وتعصف بالوطن .        فلا مكان للأحقاد الشخصيّة، لانها رمية نرد لا تردّ المحن .

                                                             خالد كرونة ــــــ كاتب من تونس


فيديو لحاتم القرمازي الشّاب المسجون لأنّه إخترع صاروخ "تونس حرّة"
الرّقاب/ بالفديو: الأمن يهشّم دكّان مواطن
بالفيديو: راوية علّاقي تروي تفاصيل إعتداء القيّم العام على والدتها
وقفة احتجاجية تطالب بالكشف عن الأطراف المتورطة في قضية اغتيال الشهيد شكري بلعيد
سندس قربوج: لهذه الأسباب يصبح أبناؤنا إرهابيّين
بالفيديو: ومضة تحسيسيّة رائعة
قدماء مناضلي الاتحاد العام لطلبة تونس يهددون بطلب اللجوء السياسي
حمّه الهمّامي يروي لأوّل مرّة ذكريات 14 جانفي 2011 في دهاليز الدّاخليّة (الجزء الثالث)
حمّه الهمّامي يروي لأوّل مرّة ذكريات 14 جانفي 2011 في دهاليز الدّاخليّة (جزء ثاني)

وزيرة الصحة بالنيابة "وفاة 6 رضّع بمستشفى...

فتح تحقيق في وفاة 6 رضّع بمستشفى محمد...

وفاة 6 رضع بقسم الولدان في مستشفى الطاهر...

ّاستطلاعات الرأي حول الانتخابات : دار...

الترفيع في تعريفة الكهرباء والغاز

أسعار النفط تقفز أكثر من 5 بالمائة

عدم الترفيع في كلفة القروض السكنية...

الجودي : الترفيع في نسبة الفائدة المديرية...

علماء الفلك يكتشفون نوعا نادرا من المجرات...

اليوم : مشاهدة وميض كوكب المشتري بالعين...

أصوات غريبة على سطح المريخ

رجة أرضية بمنطقة القطار من ولاية قفصة،

تعرّف على الوجه الآخر لجزيرة " لامبدوزة " في...

رفيف الكلام ..بقلم عمار جماعي ( الخال ) .. من...

وفاة المفكر السوري طيب تيزيني

شبه مريب بين مسلسل "المايسترو " وفيلم فرنسي...