Quantcast

صورة وتعليق: تونس بعيون قطريّة بقلم الأستاذة آمنة الرميلي

.

علّقت جمعية قطرية « خيريّة » إعلانا إشهاريّا في بعض فضاءاتها العامّة متكوّنا من صورة وشعار، ومفاد الإعلان الدعوة إلى « إعانة » تونس من برد شتائها والتبرّع بـ »100 ر.ق » لتحقيق الدّفء للتونسيين.. وستقوم قراءتنا لهذا الإعلان على مراجعة الصورة وتفكيك الشعار الأوّل الذي انبنت عليه المعلّقة.

1 ـ في الصورة:

اختارت الجمعية القطريّة الخيريّة أن تكون صورة الإعلان صورة امرأة « تونسية » تمشي تحت الثّلج وتحمل على ظهرها كيسا فيه فراشها أو غطاؤها، لاستدرار عطف المانحين وتطْرية أحاسيسهم. ولكنّ المؤكّد أنّ المرأة الموجودة في الصورة ليست امرأة تونسية، لسبب بسيط هو أنّ لباسها ليس تونسيا. فبالتثبّت في الصورة (تكبيرها) نجد أنّ المرأة تلبس سروالا فضفاضا، والسراويل الفضفاضة التّقليدية لا تلبسها المرأة الشعبية في تونس ولا صلة لها بلباس التونسيات سواء في الأرياف أو في المدن؛ حتى بعد أن غزانا اللّباس الأفغاني والبدوي الخليجي. واللباس في الصورة أقرب إلى لباس القوقازيات أو التركيات أو الكرديات. ولعلّ الصورة في أصلها صورة لاجئة على تخوم تركيا أو حدود سوريا.

إنّ ما تحمله المرأة في الصورة على ظهرها، المتمثّل في كيس شفّاف يحوي مرتبة مثنيّة أو غطاء صوفيا خشنا يجعلها أقرب إلى إحدى اللاّجئات في بلدان الحروب الدينيّة والأهلية  سواء باسم الإسلام أو باسم الطائفة وما أكثرها!.

ولا دلالة في ملامح امرأة الصورة على أنّها تونسية، بل تقرّبها ملامحها أكثر إلى مسلمات تركيا والقوقاز والمجال الكردي.. وهو ما يعني أنّ صانع المعلّقة الإشهاريّة لم يبذل أدنى جهد لتقصّي صورته المختارة ولا علم لديه بالمرأة التي يتحدّث عنها مشروعُه الإشهاري ولا يستند إلى أيّة جدّية وهو يفبرك معلّقته ويعلّقها على اسم تونس، لأنّ الغاية ليست تونس وإنّما تشويه صورتها والهدف ليس « الخير » لتونس وإنّما الإساءة إليها.

إلاّ أنّ السؤال الأهمّ الذي يتبادر إلى الذّهن أمام « الخير » القطري هو: لِمَ اختيار امرأة تسير وسط الثلوج حاملة فراشها أو غطاءها على ظهرها، يهدّها البرد والفقر والحاجة كما تريد المعلّقة أن تقول؟ لمَ ليست صورة رجل؟ أو شيخ؟ أو طفل، وصورة الأطفال أشدّ أثرا في النّفوس وأقدر على استعطاف القلوب وعطفها عليها؟ الجواب بسيط جدّا: كانت المرأة التونسية ولا تزال رمزا إلى صورة تونس المشرقة بالتحرّر والتمدّن والتقدّم الفكري وخاصة خاصة: المساواة المحفوظة بالدستور. وتكون المعلّقة القطرية بذلك محاولة لزعزعة تلك الصورة ومحاولة محوها وتعويضها بامرأة محتاجة، ضائعة، تحني رأسها وتنظر إلى الأرض أو إلى الفراغ.

2 ـ في الشّعارات..

« تحت الصّفر » هو الشعار الأكبر اللاّفت، الموضوع على رأس المعلّقة الإشهارية، المكتوب بالخطّ الغليظ حتى تكون سلطته على وعي القارئ هي الأقوى والأشدّ. وقد يوهم شعار « تحت الصفر » قارئه بأنّ القصد منه هو برد الطبيعة، أي الصّقيع والثلوج والشتاء والجليد الذي رصفت به حروف الشعار واتّخذه صائغ المعلّقة رمزا من رموز رسالته في بلد الشمس والبحر والصحراء: تونس!. ولكنّ هذا الوهم سرعان ما يتقشّع لأنّ شعار « تحت الصّفر » مرتبط بمجال دلاليّ قوامه علامتان، أولاهما صورة المرأة، وثانيتهما اسم تونس. حينها يذوب جليد الحروف الموهِم، ويظهر القصد الحقيقي وهو أنّ « تحت الصفر » هي العلامة أو العدد أو الدّرجة التي أسندتها قطر ـ ممثّلة في جمعيتها الخيريّة ـ إلى تونس!.. تعتبر قطر في ما يبدو أنّ الدّرجة التي تستحقّها تونس ورمزها الاجتماعي « المرأة » هي درجة « تحت الصفر »؛ وحتى تخرج تونس من « تحت الصفر » فإنّ الأمل معقود بناصية المال القطري، تتسوّله تونس من القطريّين مئة ريال قطريّ فمئة ريال قطريّ كما تقول المعلّقة!

لقطر ـ موضوعيّا ـ أن تعتبر نفسها دولة قويّة أو غنيّة، لها بسْطٌ من القوّة المادية  على غيرها من البلدان فذاك شأن بعض البلدان في بناء صورتها في الدّاخل وخاصة في الخارج؛ ولكنّ المشكل في أنّ هذا الاستقواء بالمال ـ وبالمال وحده طبعا ـ يجري مع تونس هذه المرّة، تونس البلد الرّمز اليوم إلى التحرّر وحرية التعبير وحقوق المرأة والبناء الديمقراطي رغم صعوبات البناء وعراقيله، تونس البلد الحداثي التقدّمي المعلمَن المثقّف، تونس زهرة هذا الواقع العربي الأجدب..

والسؤال الذي ينبغي أن يطرح بهدوء أمام هذه المعلّقة الإشهارية ليس لِمَ فعلت قطر ذلك بتونس؟ وإنّما لمَ تركتْ تونس نفسها لقطر حتى تفعل بها هذا؟ والأجوبة عديدة في نظرنا يتداخل فيها السياسي بالتاريخي بالاجتماعي بالإيديولوجيّ، داخليّا وخارجيّا.

خارجيّا سنكتفي بذكر حدثين بارزين في سياسة تونس الخارجية قد تكون وراء هذه المعلّقة الإشهاريّة المهينة لتونس ولشعبها، بقطع النظر عن نوايا الخير والإحسان!.. الحدث الأوّل هو تهافت الرّئيس التونسي الأسبق « منصف المرزوقي » وتقزيمه الدولة التونسية أمام حكّام قطر، فالتونسيون لم ينسوا بعد كيف أهان أمير قطر السابق الرئيس التونسي في مطار تونس قرطاج حين نظر إلى التونسيين عبر الكاميرات وقال لهم في غطرسة: إنّني أعلّم رئيسكم بروتوكول الاستقبالات الرئاسية! ولم تردّ الديبلوماسية التونسية بشيء ولم تتحرّك شعرة من شعرات المنصف المرزوقي، بل هدّد المرزوقي حين كثر الكلام على ما حصل في مراسم استقبال أمير قطر بقوله » « سنعاقب كلّ من يتطاول على قطر! ». وأمّا الحدث الثاني فيبدو أنّ قطر لم تغفر لحكّام تونس اليوم وقوفهم إلى جانب السعودية ـ بحكم ما يحصل بين قطر والسعودية اليوم ـ في أزمة مقتل « خاشقجي » حين استقبل رئيس الجمهورية الأمير « محمد بن سلمان » وحين زار رئيس الحكومة « يوسف الشاهد » المملكة تحت ضغط الأزمة الاقتصادية التي تمرّ بها تونس؛ وكأنّ قطر تقول لنا: يمكنكم أن تتسوّلوا علنا أيضا ما دام حكّامكم يتسوّلون سرّا!

« جمعية قطر الخيرية » هي جمعية سياسية ماليّة، دورها بسْط ما أمكن من النفوذ القطري على البلدان الأخرى خدمة للمشروع الإخواني وترسيخا لنمط الحكم الشمولي الذي يتطلّب قوّتين جبّارتين هما العقيدة والمال. وقد قدّمت « قطر الخيريّة » خدمات جليلة لحزب النهضة في تونس وغمرت الجمعيات الدينية السياسية بخيراتها ووضعت بين أيديها أموالا طائلة لم تحاسب عليها الدولة التونسية أحدا ولم تجرؤ على فتح ملفّات « المال السياسي » و »المال السياسي الديني » إلى اليوم، ولا نعرف بعد فيم صرفت سيول الأموال القطرية وغير القطرية التي موّلت آلاف الجمعيات الخيرية في تونس بعد 2011، ولا أيّة وجهة أخذتها تلك الأموال، ولا من انتفع منها بطرق مباشرة وغير مباشرة، ولا أسماء مديريها الماليين داخل تونس وخارجها… ويكفي أن نسحب تحت ضوء القضاء والاستقصاء ملفّ « تونس الخيريّة » الفرع المالي السياسي لـ »قطر الخيريّة » بتونس حتى نتمكّن من الإجابة عن أكثر من سؤال من أسئلتنا هذه.

ردّ فعل التونسيين على المعلّقة الإشهارية لخير قطر كان سريعا وقويّا وحتى انفعاليّا جدّا أحيانا، وهو ما يؤكّد أنّ الشعب التونسي لا يزال مستعدّا دوما، ماضيا وحاضرا ومستقبلا، للدّفاع عن قيمة حاسمة في ذهنيّته: الكرامة الوطنية، رغم ما في التونسي من سخرية من غيره ومن نفسه، ورغم صعوبة رضاه عن ذاته وحتى جلدها باستمرار، ورغم صعوبة إرضائه أو إقناعه وقلّة صبره أحيانا، رغم كلّ هذا تبقى الكرامة من أجلّ المعاني في تكوينه النفسي، ألم تشتعل من أجلها ثورة 17 ديسمبر ــ 14 جانفي؟ لا تزال الجذوة حيّة وستبقى، رغم طبقات الرّماد من حولنا!

سوسة، 24 ديسمبر 2018.


فيديو لحاتم القرمازي الشّاب المسجون لأنّه إخترع صاروخ "تونس حرّة"
الرّقاب/ بالفديو: الأمن يهشّم دكّان مواطن
بالفيديو: راوية علّاقي تروي تفاصيل إعتداء القيّم العام على والدتها
وقفة احتجاجية تطالب بالكشف عن الأطراف المتورطة في قضية اغتيال الشهيد شكري بلعيد
سندس قربوج: لهذه الأسباب يصبح أبناؤنا إرهابيّين
بالفيديو: ومضة تحسيسيّة رائعة
قدماء مناضلي الاتحاد العام لطلبة تونس يهددون بطلب اللجوء السياسي
حمّه الهمّامي يروي لأوّل مرّة ذكريات 14 جانفي 2011 في دهاليز الدّاخليّة (الجزء الثالث)
حمّه الهمّامي يروي لأوّل مرّة ذكريات 14 جانفي 2011 في دهاليز الدّاخليّة (جزء ثاني)

إتحاد " إجابة "يدخل في اعتصام بالمقر...

المجلس الوطني للقضاة لأول مرة من مدينة...

على خلفية قضية الرضع : إقالات بالجملة ...

ارتفاع عدد وفيات الرضع في مستشفى الرابطة...

عدم الترفيع في كلفة القروض السكنية...

الجودي : الترفيع في نسبة الفائدة المديرية...

سعيدان : الترفيع في نسبة الفائدة المديرية ...

مصدر نقابي من الجامعة العامة للبنوك يعلق ...

رجة أرضية شرق جزيرة قوريا من ولاية المنستير

ظاهرة فلكية نادرة تجمع الزهرة والمشتري في...

الخسوف الكلي لقمر" الذئب الدموي العملاق "...

خطوة علمية غير مسبوقة : الصينيون يحملون...

رحيل الأديب محمد الهادي بن صالح

الروائية سعاد الفقّي بوصرصار : الخطاب...

فسحة الأحد الشعرية يكتبها عمار جماعي ....دون...

اكتشاف مقبرة فاطمية تعود إلى القرن الـ 4...