Quantcast

في زواج المسلمة بغير المسلم و فقه المواريث : ما لم يقله لنا فقهاؤنا البررة بقلم أسعد جمعة

لقد تعرّض التّونسيّون رجالا ونساءً، مثقّفين وجامعيّين، ساسة في الحكم وفي المعارضة، يساريّين ويمينيّين إلى هجمات شرسة من قبل فقهاء ودعاة وإعلاميّين وبعض القوم المتمركزين في المشرق العربي خاصّة في بلاد الكنانة والحجاز. أمّا عن سبب هذه الهجمة الشّرسة فإنّه عائد إلى المبادرة التّشريعيّة التي تقدّم بها رئيس الجمهوريّة التّونسيّة إلى الشّعب التّونسيّ للتّداول بشأنها في مرحلة أولى، ثمّ مصادقة مجلس تواب الشعب على مشروع قانون في الغرض قد تعرضه رئاسة الجمهورية ، في صورة حصول توافق بشأنه، في مرحلة ثانيّة. ومدار هذه المبادرة في جانبها الترتيبي والتشريعي عنصران:
– أوّلهما: مراجعة المنشور الصادر عن ووارة العدل الذي يحجّر زواج التّونسيّة المسلمة من غير المسلم.
– وثانيهما: تنقيح القوانين المعمول بها في اتّجاه يقرّ المساواة في الميراث بين الرّجل والمرأة.
أمّا عن تبرير هؤلاء لشراسة هجمتهم ضدّ هذا الشّعب المسالم، فمؤدّاها أنّ النّصوص الدّينيّة الواردة في هذين الغرضين هي على درجة من الإحكام بحيث أنّها لا تحتمل أيّ تأويل أو اجتهاد، ومَن تأوّلها
فإمّا مبتدع وإمّا كافر بما ثبت في محكم التّنزيل.
ولمّا كنّا نربأ بأنفسنا عن قذف المسلمين بشناعة الكفر، فإنّنا نصم هؤلاء بجهل دينهم، أو ليس العلم بالدّين أوّلا وآخرًا؟
أمّا كون النّصوص القرآنيّة لم تحرّم زواج المسلمة من غير المسلم بصفة مطلقة، فذلك بيّن من قوله –تعالى-: ﴿ وَلَا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ ۚ وَلَأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ ۗ وَلَا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّىٰ يُؤْمِنُوا ۚ وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ ۗ أُولَٰئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ ۖ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ ۖ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ﴾ [البقرة:221]، وقوله –عزّ من قائل-: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَاهُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة:10]، وقوله –سبحانه-: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء:141]، والمقصود ها هنا بالتّحريم زاواج المسلمات منهنّ إنّما هم المشركون والكفّار، وأهل الكتاب مستثنون من هذا التّحجير. ورفع النّهي لا يقتصر هاهنا على اليهود والنّصارى فحسب باعتبار أنّ مجتهدي هذه الأمّة، أمثال الأشعري والشّهرستاني والرّازي، قد أدرجوا ضمن هذه الفئة مَن لهم شبهة كتاب كالمانويّة والزّرادشتيّة…بحيث أنّ الحكم بإطلاق المنع في هذا الغرض لا سند قرآنيّ له، والواجب هاهنا الالتزام بالقاعدة الأصوليّة القائلة بأنّه لا فرض ولا تحريم إلاّ بمحكم التّنزيل، فالتّمسّك بالتّحريم المطلق هاهنا إنّما هو من باب التّشديد على غير قياس.
أمّا فيما يخصّ العنصر الثّاني من المبادرة التّشريعيّة الرّئاسيّة، وهو المتّصل بالمساواة بين الرّجل والمرأة في الميراث، فقد شنّع سفهاء القوم على مواطنينا في تجرّئهم على ما أورده –سبحانه- في كتابه العزيز محكمًا غير متشابه ولا قابلا للتّأويل.
فنقول فيما افتروا به على هذا الشّعب الطيّب من نيّة تأويل ما يجب أن يؤخذ على ظاهره: إنّ الآيات الواردة في مسألة المواريث هي من التّشابه بحيث أنّ الأخذ بنصّها الظّاهر يؤول بنا إلى حالات خُلْف رياضيّ.
فبرجوعنا إلى الآيات التي حدّدت نصيب كلّ وارث من مجموع الميراث، وهي:
– ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ ۖ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ ۚ فَإِن كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ ۖ وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ ۚ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ ۚ فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ ۚ فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ ۚ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ ۗ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا ۚ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ (سورة النّساء، الآية 11).
– ﴿۞ وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّهُنَّ وَلَدٌ ۚ فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ ۚ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ ۚ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّكُمْ وَلَدٌ ۚ فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُم ۚ مِّن بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ ۗ وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ ۚ فَإِن كَانُوا أَكْثَرَ مِن ذَٰلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ ۚ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَىٰ بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ ۚ وَصِيَّةً مِّنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ (سورة النّساء، الآية 12).
– ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ ۚ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ ۚ وَهُوَ يَرِثُهَا إِن لَّمْ يَكُن لَّهَا وَلَدٌ ۚ فَإِن كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ ۚ وَإِن كَانُوا إِخْوَةً رِّجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ ۗ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّوا ۗ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (سورة النّساء، الآية 167).
نخلص إلى أنّ النّصيب المفروض لكلّ وارث (مع عدم وجود الأبناء) من مجموع الميراث هو:
– الثّلاث بنات: 2/3
– الزّوج : 1/2
– الزّوجة: 1/3
– الأب: 6/1
– الأمّ: 1/3
– الأخت: 1/2
– الأخوات: 2/3
فإذا ما التزمنا بالتّطبيق الحرفي لمنابات الورثة كما وردت في النّصّ القرآنيّ، تجاوزنا مجمل الميراث بنسب تتراوح بين 10% و50%.
– ففي مسألة الزّوج المتوفّي، وله من الورثة ثلاث بنات والزّوج والأب والأمّ، (ثلاث بنات: 16/24، الزّوجة: 3/24، الأب: 4/24 والأمّ: 4/24)، تكون نسبة تجاوز مجمل الميراث أكثر من العشر (8/6 = 112 %).

– وفي مسألة الزّوجة المتوفّية، ولها من الورثة ثلاث بنات والزّوج والأب والأمّ، (ثلاث بنات: 8/12، الزّوج: 3/12، والأب: 2/12، والأمّ: 2/12)، تكون نسبة تجاوز مجمل الميراث الرّبع (8/6 = 125 %).
– وفي مسألة الزّوجة المتوفّية، ولها من الورثة الزّوج والأمّ والأخت، (الزّوج: 3/6، والأمّ: 2/6، والأخت: 3/6)، تكون نسبة تجاوز مجمل الميراث الثّلث تقريبًا (8/6 = 133 %).
– وفي مسألة الزّوجة المتوفّية ولها من الورثة الزّوج والأمّ والأختان (الآية 11: الزّوج: 3/6، والأمّ: 2/6، والأخوات: 4/6)، تكون نسبة تجاوز مجمل الميراث بالنّصف (9/6 = 150%).
وقد تفطّن الى ذلك مَن حُمل عليهم تطبيق هذه الأحكام منذ البدايات وهو ما حدا بعمر بن الخطّاب –بصفته أميرًا للمؤمنين- إلى الاجتهاد بشأن هذه النّصوص وتنقيحها بشكل يضمن قابليّتها للتّطبيق ويمكّن من تجاوز حالات الاستحالة الرّياضيّة في إيصال الحقوق إلى أصحابها، باعتبار تجاوز مجموع منابات الورثة مجموع الميراث كما سبق. والمسألة مشهورة في الكتب الأصوليّة والتّاريخيّة تحت عنوان: العمريّتين –نسبة لعمر بن الخطّاب-. بل أنّ هذه المسألة أتاحت لنا فرصة الوقوف على مدى التزام قادة الدّولة الإسلاميّة بمبدإ الانضباط وفق التّسلسل ىالإداريّ، فبعد أن جادل عبد الله بن مسعود في مسائل إجرائيّة الإصلاح (التّقليص من عدد المستفيدين من التّركة عوضًا عن مراجعة نصيب كلّ واحد منه، كما ذهب إلى ذلك عمر)، أذعن بصفته واليًا إلى الأوامر التي تلقّاها من أمير المؤمنين.
فأغيثونا، أيا مَن نصّبوا أنفسهم سلفيّي العصر على رقابنا، هل لدينا أسوة أحسن من هذا السّلف الصّالح المبارك والمزكّي لمثل هذا الاجتهاد: عمر بن الخطّاب وعبد الله بن مسعود، ومن حذا حذوهم، أمثال عليّ بن أبي طالب، والحسن بن عليّ، وعثمان، وزيد بن ثابت، والثوري، ومالك، والشّافعي…؟
أفلا استحققنا نحن التّونسيّين أعبق عبارات مديحكم عوضًا عمّا كلتموه لنا من قبيح التّهم، أيا مَن بإتلاف وجدكم ما غنمتم دنياكم فضلاً عن آخرتكم.
أسعد جمعة
أستاذ الفلسفة بالجامعة التونسية


فيديو لحاتم القرمازي الشّاب المسجون لأنّه إخترع صاروخ "تونس حرّة"
الرّقاب/ بالفديو: الأمن يهشّم دكّان مواطن
بالفيديو: راوية علّاقي تروي تفاصيل إعتداء القيّم العام على والدتها
وقفة احتجاجية تطالب بالكشف عن الأطراف المتورطة في قضية اغتيال الشهيد شكري بلعيد
سندس قربوج: لهذه الأسباب يصبح أبناؤنا إرهابيّين
بالفيديو: ومضة تحسيسيّة رائعة
قدماء مناضلي الاتحاد العام لطلبة تونس يهددون بطلب اللجوء السياسي
حمّه الهمّامي يروي لأوّل مرّة ذكريات 14 جانفي 2011 في دهاليز الدّاخليّة (الجزء الثالث)
حمّه الهمّامي يروي لأوّل مرّة ذكريات 14 جانفي 2011 في دهاليز الدّاخليّة (جزء ثاني)

جامعة مديري الصحف تقرّر مبدأ الإضراب عن...

رسمي : الترفيع في سن التقاعد في القطاع العام

الاِتفاق على الترفيع في سن التقاعد بسنتين

سيدي بوزيد: الإطار التربوي بابتدائية شارع...

وسام السعيدي: "آفاق تونس تمسك في 2014 بأن تضم...

وزير الماليّة ينفي خبر الزيادة في الأداء...

القائمة الإسمية لرجال الأعمال و الشركات...

القائمة الإسمية لرجال الأعمال و الشركات...

مجهر إلكتروني يمنح جائزة نوبل للكيمياء...

نوبل للطب : ثلاثة علماء يفوزون بالجائزة

تطاوين: اكتشاف آثار أقدام ديناصور بمنطقة...

عالم يكشف سر هذا المخلوق الغريب

نجيب عياد: دعوة عادل إمام لأيام قرطاج...

أيام قرطاج السينمائية : "قطار الملح والسكر"...

الاسكندرية: "أوٌلا تكون" تحصد خمس جوائز

معرض حول تاريخ الصحافة الهزلية في تونس