Quantcast

مأزق الحكم من وراء حجاب بقلم مراد حاجي

 

قبل انهيار الخلافة الاموية في الاندلس ودخولها مرحلة ملوك الطوائف شهدت فترة تاريخية سيطر فيها الحاجب المنصور ابن ابي عامر ثم بنوه على الدولة وقد تزامن صعود هذا الرجل مع وجود خليفة مسن فقد ابنه الاكبر وولي عهده ثم انجب طفلا صغيرا تركه ابن تسع حين وفاته وعهد بالوكالة عليه الى ابن ابي عامر. وسرعان ما حاك هذا الرجل علاقات متشعبة ودسائس واطاح بالحاجب وصار هو الحاجب وهي وطيفة تعادل كبير الوزراء في دول اخرى او رئيس الوزراء في عصرنا. وهكذا ادى حرص الخليفة على تولية ابنه الى تغول الحاجب حتى صار الخليفة حبيس قصره.

تحضرني هذه الوقائع التاريخية كلما تأملتت حال بلادنا. فالدستور ينص على أن الحزب الفائز هو الذي يكلف بتشكيل الحكومة غير ان انتخاباتنا افرزت ان يكون زعيم الحزب الفائز ومؤسسه رئيس الجمهورية. وحقق بذلك حلم الزعامة ودخول القصر الذي يبدو انه حلم قديم اثير على قلب الرجل الكبير الذي لم يتخلص من احلام الصبا وخير ان يكون هناك في حين ان السلطة الفعلية بحكم الدستور ليست بيده وانما بيد رئيس الوزراء.

اردا الرئيس المنتخب وزعيم الحزب الفائز ان يبقي نفوذه على حزبه مطلقا وهو نفوذ معنوي بما ان الدستور يجبره على الاستقالة من حزبه حين يدخل القصر. ومن هنا اختار ان يمارس نفوذ صاحب الباتيندة كما سماه بعض المتقربين منه  واراد ان يكون رئيس الوزراء شخصا لا سند له الا اختياره هو له مما يجعله ولي نعمته وبمثابة الحاجب الذي ينفذ سياسات زعيم الحزب. وكانت التجربة الاولى مع الحبيب الصيد الذي اختير من خارج قيادات الحزب الحاكم اصلا وحين حاول ان يمارس الصلاحيات التي يخولها لها الدستور خارج ما يمليه صاحب الباتيندة تم تهديده بالتمرميد واجبر على الرحيل لان الشيخ كان لا يزال يمسك بخيوط اللعبة داخل حزبه وكتلته النيابية.

واختار شيخ قرطاج ان يواصل لعبة ممتص الصدمات فاختار شخصية اخرى غير معروفة شخصية شابة رآها عديمة الخبرة وتربطه بها بعض اشكال المصاهرة في رؤية تقليدية لأساليب الحكم والتسيير من وراء حجاب. وكان يراد منه كما اريد من الصيد ان يكون بمثابة الحاجب ينفذ الأوامر وهو في الواجهة يلصق به الفشل ان حصل ويسحب منه اي شرف نجاح ان حدث ويسند الى الاب الكبير في قرطاج.

غير انه وعلى شاكلة ما حدث في الاندلس كان هم الشيخ ان يحفظ لابنه مكانة الزعامة وبذل في سبيل ذلك الكثير وبدأت تفلت  من بين اصابعه خيوط اللعبة. فلم يعد قادرا على تحريك الدمى كما يريد. واذا الحاجب يتغول بتشجيع من الداخل من حلفاء النداء الالداء وبضوء اخضر خارجي مستندا الى ما يخوله له الدستور محاولا ان يبني حزاما برلمانيا يحميه مكر الشيخ وفعله بوزيره السابق فكون له ائتلافا ممن يطمعون في مغانم السلطة وارتمى في حضن شيخ مونبليزير الذي اعلن المساندة ووقوفه مع رئيس الوزراء. فبدا طلاق الشيخين وتوطد علاقة الوزير مع شيخ النهضة كغرام زوجة الخليفة وام ولي العهد الطفل بالحاجب المنصور.

ووجد شيخ قرطاج نفسه وقد انفضت كتلة حزبه في البرلمان وتسابق نوابها ينضمون الى كتلة الشاهد ضمانا لحسن المغنم واذا حرصه على ابنه وتمكينه يسلبه تلك القوة الناعمة وشرعية الباتيندة التي دمر بها وزيره السابق واقصاه. غير ان اهم متغير لم يكن دهاء الشاهد ولا حنكته السياسية وانما اشتغال النهضة على هذا الطموح المتنامي لهذا الشاب فزينت له ذلك لانها تفكر في انتخابات 2019 التي ستدخلها وحدها حزبا متماسكا.

ستشهد هذه الانتخابات تشرذما كبيرا في مقابل بقاء حزب واحد متماسك واذا الوزير الشاهد حصان طروادة الذي استنجد به الباجي ليحفظ سلطته وامساكه بخيوط اللعبة وضمان السلطة لابنه فإذا هو تماما كالحاجب ابي منصور الذي ادى حكمه الى انهيار الخلافة وظهور الطوائف. فقد تشرذم الحزب الذي واجه النهضة في الانتخابات السابقة بفعل اخطاء شيخ قرطاج وحنينه الى السلطة الابوية ومحاولاته تحوير الدستور وبفعل عطفه على ابنه ورغبته في توريثه السلطة. غير ان عوامل اخرى ادت الى تفكك الحزب هي انه لم يكن حزبا قائما على برامج فكل برنامجه كان مواجهة النهضة فاذا هو يحكم متحالفا معها مما سهل انفراط عقد مناصريه ثم تبين ان سياسي الغنائم الذين لا تجمعهم الا غايات السلطة لا يمكن ان يصمدوا طويلا.

وها قد تمرد الحاجب فاذا هو يحجب السلطة عمن وضعه هناك ولكن الامر سينتهي بخسران للرجلين لصاحب الباتيندة ولحاجبه فلا منتصر الا من لعب مع الاثنين وضمن بقاءه في السلطة بالتحالف في كل مرة مع احدهما واغرائه بمزايا السلطة. والخشية كل الخشية ان تعاد الماساة وينتهى حكم الحاجب الى طوائف والبوادر كثيرة فالكل يسعى الى ارضاء شيخ مونبليزير من اجل نصيب من السلطة.

ولا يبقى امام لعبة السلطة والنفوذ للمواطن البسيط الا ان يرجو سلامة الوطن لان كبار اللعبة لا همّ لهم الا تحالفاتهم وامتيازاتهم وفي زمن الطوائف سيكون المسكين  هو من لا طائفة له. غير ان الخلاصة ان الباجي لم يتقن لعبة تحريك الدمى كما اتقنها الغنوشي ذلك ان حلم الزعامة الكاريزمية بقي مهيمنا على ذهنه في حين ينطلق الغنوشي بإرث متاثر بولاية الفقيه حيث ادارة اللعبة من وراء ستار بشكل متقن فلا احد ينكر تاثيرات الثورة الايرانية على فكر الجماعات الدينية وخاصة النهضة.

لقد كتاب الجاحظ رسالة في الحجّاب وما ينبغي ان يتوفر فيهم ويمكن لقارئها ان يعي خطورة هذا المنصب قديما. ولكن كل قديم يستعاد قد يكون لاستعادته اعراض جانبية بحكم فارق الزمان والمكان. وهو نفس الامر الذي ينطبق على السعي الى الايحاء باستعادة التجربة البورقيبية فالماضوية لا يمكن الا ان تكون تضحية بالحاضر زذاك شان الباجي فقد ارد ان يستعيد صورة اب التونسيين في غير زمانها فاذا هو لا يظهر في عيون الناس الا ابا لحافظ.

 مراد حاجي

باحث جامعي من تونس 


فيديو لحاتم القرمازي الشّاب المسجون لأنّه إخترع صاروخ "تونس حرّة"
الرّقاب/ بالفديو: الأمن يهشّم دكّان مواطن
بالفيديو: راوية علّاقي تروي تفاصيل إعتداء القيّم العام على والدتها
وقفة احتجاجية تطالب بالكشف عن الأطراف المتورطة في قضية اغتيال الشهيد شكري بلعيد
سندس قربوج: لهذه الأسباب يصبح أبناؤنا إرهابيّين
بالفيديو: ومضة تحسيسيّة رائعة
قدماء مناضلي الاتحاد العام لطلبة تونس يهددون بطلب اللجوء السياسي
حمّه الهمّامي يروي لأوّل مرّة ذكريات 14 جانفي 2011 في دهاليز الدّاخليّة (الجزء الثالث)
حمّه الهمّامي يروي لأوّل مرّة ذكريات 14 جانفي 2011 في دهاليز الدّاخليّة (جزء ثاني)

بئر الحفي: استقالة جماعية لمديري المدارس...

نقيب الصحفيين يدعو إلى مقاطعة جمعية مشبوهة...

سنويا 20 الف حالة ولادة مبكرة في تونس

الطبوبي في بطحاء محمد علي : لقاؤنا بيوسف...

مشروع قانون المالية لسنة 2019 يخفض في الأداء...

حقيقة رفع دعم الدولة للمواد الأساسية

تراجع مخزون تونس من العملة الأجنبية إلى 69...

تراجع جديد للاحتياطي الصافي من العملة...

رجة بلغت قوتهـا 4.7 درجة على ضفاف شاطئ بنزرت...

الجم : تسجيل رجّة أرضية

هل تأكد العلماء أخيرا من وجود ماء على سطح...

هل تعرفون نادر المصمودي المتحصل على جائزة...

فسحة شعرية يكتبها عمّار الجماعي " أنت يا...

نجيب بالقاضي "لم أشعر بالظلم في أيام قرطاج...

وفاة الاستاذ الجامعي والأديب محمد رشاد...

وفاة الفنان التونسي قاسم كافي