Quantcast

ماذا يعني أن تكون يساريّا ؟(1) بقلم خالد كرونة

تنويه : ليس المقال غير إسهام متواضع في نقاش عموميّ يحتاجه فيما نقدّر الفضاء السياسيّ الذي صار بحاجة أكيدة إلى مراجعات في سياق عامّ يفترض تنظير الواقع وتبيّن هويّات الفاعلين في زمن اختلاط الأوراق

لا مندوحة من الإقرار إنّ مصطلح اليسار بات فضفاضا وأنّ الأفهام التي استقرّت حوله متباينة أشدّ التباين .      فهو عنوان « حداثة » و « معاصرة » لدى البعض ، وهو عند البعض الآخر  تيّار « الاشتراكيّة » بوجه عامّ ، وفريق ثالث يعتبر « اليسار » مختزلا في الفكر الماركسيّ و ما تفرّع عنه أي أنّه تعبير عن اشتغال الحركة الشيوعيّة العالميّة بقضايا العالم. ومن هنا ، أضحى البعض يعتبر « اليسار » تعبيرا عن إيديولوجيا طبقة ثوريّة تكافح ضدّ طغمة رأس المال وترفع لواء العلمانيّة وتقطع مع الثقافة التقليديّة و بخاصّة التفكير الديني .

ومن نافل القول إنّ تصنيفات كثيرة لحقت الجسم « اليساري » في العالم ، فهو مرّة « اشتراكي ديموقراطي » وهو تارة أخرى « راديكالي ثوري »أو « ليبرالي تحرري » وتولّدت عبر العقود تراتبيّة بمقتضاها صار البعض « يساريّا معتدلا » والبعض الآخر من « وسط اليسار » ثم كان « اليسار الجديد » …الخ

إنّ العودة إلى منبع الاصطلاح قد تنأى بنا عن التيه في غابة المصطلح. فقد اقترن ظهور « اليسار » بالحياة السياسيّة في فرنسا قبيْل الثورة سنة 1789 ، حين كان الجالسون على يمين الملك لويس السادس عشر من « المحافظين » الذين يدافعون عن سلطة الكنيسة و مصالح كبار الإقطاعيين في حين أخذ معارضوهم موقع اليسار وهم دعاة التحرّر من ربقة النظام الإقطاعيّ و هيمنة الكنيسة والمساواة ، وتطورت مطالبهم إلى « جمعيّة وطنيّة » (برلمان)  أرغم الملك على القبول بها فأعدّت دستور البلاد و أعلنت إلغاء الملكيّة و قيام  « الجمهوريّة » سنة 1792 . ولا يزال البرلمان الفرنسيّ حتّى الساعة يراعي في توزيع المقاعد التمييز بين اليمين و اليسار .

إنّ هذه الإطلالة السريعة على جذور المصطلح تقود إلى نتيجتيْن أساسيّتيْن :

 الأولى أنّ اليسار قوّة تصنع المستقبل ، دافعت منذ نشوئها عن الحريات و رفعت شعار المساواة ودعت إلى الخلاص من قيود الكنيسة الرجعيّة و أعلنت لأوّل مرّة في التاريخ البشري لائحة « حقوق الإنسان » و كافحت طويلا من أجل المساواة التامة بين المرأة والرجل وضدّ التمييز العرقي أو العنصريّ مثلما رفعت لواء النضال من أجل « عدالة اجتماعيّة » ضدّ تمركز الثروة و القوة و السلطة في يد طبقة واحدة .

والثانية ، أنّنا لا نعثر على تعريف مضبوط لـــ « اليسار » بحكم تنوّع روافده و مدارسه ،فهو يضمّ مروحة واسعة تبدأ من الهيئات المدافعة عن حقوق الإنسان مرورا ب »اليسار الإيكولوجي » (كل المنظمات والجمعيات الناشطة في المجال البيئي) وكذا كلّ التيارات المعادية للميز العنصري فضلا عن الحركات النقابيّة حول العالم و القوى التي واجهت ولا تزال الفاشيّة انتهاء إلى الأحزاب القوميّة و الاشتراكية الديموقراطية و التنظيمات الشيوعيّة .

إنّ نظرة سريعة موضوعيّة ، ستنتهي حتما إلى الاعتراف للحركات اليساريّة  ــــ على اختلاف مكوناتها و مرجعياتها ـــ بمنجز إنسانيّ مشرّف و طلائعيّ في معركة التحرر من الإقطاع و من سلطة الكنيسة و تثبيت مفهوم حقوق الإنسان الأساسيّة، وفي النضال بلا هوادة ضدّ الطغم الفاشيّة،وكذا ـــ بوجه عامّ ـــ في إسناد حركات التحرر في العالم ومواجهة الإمبرياليّة،وفي الكفاح المتصاعد دفاعا عن حقوق الأجيال في بيئة سليمة،و تثبيت الحقوق النقابيّة  وتطوير المنظومات القانونية ضدّ الإعدام ، ومقاومة كلّ أشكال التمييز الجنسي و العرقيّ، والوقوف ضدّ الحروب المدمّرة حول العالم .

إنّ كلّ هؤلاء ، هم موضوعيّا  ـــ بوعي منهم أو من دونه ــــ جنود أوسع حركة مواطنيّة تحررية ذات بعد إنساني عرفها التاريخ البشريّ ، نعني الحركة اليساريّة ضمن هذا الفهم الذي يخرج عن ضيق الفئويّة و التحزب أو الجمود الإيديولوجي .

بل إنّ مثل هذه النظرة تصوّب اعتقادا رسخته أقلام متهافتة لا سيما في وسائل الميديا الحديثة تضرب عرض الحائط بهذا المنجز الذي تحقّق بجهد كبير و تضحيات ضخمة على مدى قرون، وتوهم بأن اليسار « لعنة » و مجرّد حفنة من « الملاحدة » الذين يقولون دوما « لا » لكلّ شيء ، فلا يعجبهم العجب ، في سياق التصدّي للمدارس الاشتراكية وللأحزاب الشيوعية متناسين أن « اليسار » وجد قبل الفكر الاشتراكي ، بل قبل الثورات البرجوازيّة نفسها .

وليس يعني هذا مطلقا تجاهلا لما يُعتبر « أزمة اليسار » ، خاصة في ظلّ واقعة « العولمة » و ارتفاع الأصوات التي تعلن عصر « ما بعد الإيديولوجيا » ، وهي لحظة تستشرف فيها الإنسانيّة مقوّمات « ما بعد الحداثة » عبر  نخبها في مشارق الأرض ومغاربها . ولسنا هنا في وارد معالجة قضيّة « ما بعد الإيديولوجيا » (فهي نفسها إيديولوجيا لها دعاة و لها خلفيات ) ولكنّنا نحاول في مقال لاحق الإجابة عن سؤاليْن مركزيّيْن :

1 ــ أما زلنا بحاجة إلى « يسار » أم أنّ الحاجة إليه قد زالت فعلا ؟

2 ــــ وكيف ينبغي تعريف اليساريّ في سياق اللحظة التاريخيّة الراهنة ، وفي محيطنا العربي عامّة والتونسي تحديدا؟

خالد كرونة  ــــ كاتب من تونس


فيديو لحاتم القرمازي الشّاب المسجون لأنّه إخترع صاروخ "تونس حرّة"
الرّقاب/ بالفديو: الأمن يهشّم دكّان مواطن
بالفيديو: راوية علّاقي تروي تفاصيل إعتداء القيّم العام على والدتها
وقفة احتجاجية تطالب بالكشف عن الأطراف المتورطة في قضية اغتيال الشهيد شكري بلعيد
سندس قربوج: لهذه الأسباب يصبح أبناؤنا إرهابيّين
بالفيديو: ومضة تحسيسيّة رائعة
قدماء مناضلي الاتحاد العام لطلبة تونس يهددون بطلب اللجوء السياسي
حمّه الهمّامي يروي لأوّل مرّة ذكريات 14 جانفي 2011 في دهاليز الدّاخليّة (الجزء الثالث)
حمّه الهمّامي يروي لأوّل مرّة ذكريات 14 جانفي 2011 في دهاليز الدّاخليّة (جزء ثاني)

قبلي : وفاة تلميذ بعد تلقيه طعنات بآلة حادة

اليوم الأربعاء ، الأساتذة في يوم غضب

احتجاجات التلاميذ في العديد من المدارس...

حجز 8 صقور محملة بأجهزة قد تكون للرصد...

بدية من اليوم حارة العظم ب 900مليم

البنك الدولي يتوقع تباطؤ نمو الاقتصاد...

كيلوغرام اللحم قد يصل إلى 30 دينارا

الحكومة تقلص من قيمة الدعم في المحروقات في...

ظاهرة فلكية نادرة تجمع الزهرة والمشتري في...

الخسوف الكلي لقمر" الذئب الدموي العملاق "...

خطوة علمية غير مسبوقة : الصينيون يحملون...

بمناسبة هبوط مسبار صيني على الجانب المظلم...

اكتشاف مقبرة فاطمية تعود إلى القرن الـ 4...

فسحة الأحد الشعرية يكتبها عمار جماعي...

مهمّة الشّعر غرس الامل في النفس وليس بثّ...

فسحة الأحد الشعرية يكتبها عمار الجماعي...