Quantcast

مرثية عبدالله الخلايفي بقلم د الطاهر بن يحيى

آهٍ، عبدَ الله
I- آهٍ، عبدَ اللَه
و الْأُمْسِيَةُ الْآنَ بِلا مَوْتَى
وَأَنْتَ الْآنَ حِلٌّ للْحُلُول
آهٍ.. عَبْدَ اللَه
رُمُوزٌ
وَفُصُولٌ
آهٍ.. عَبْدَ اللَه
لَا لَوْنَ وَلَا شَكْلَ لِأَزْهَارِ الأُفُول
آهٍ ..عَبْد الله
لَا أَذْكُرُ بعْد الْآنَ ما كنْتَ تقُول
آهٍ ..عبْد الله
لا تَسْمعك الْأرْض
و لا ليْلى
وَلَا ظِلّ النَّخِيل

…………………….
II—

لا شيء يجمع بين هذا المقطع من قصيدة محمود درويش »آهٍ عبد الله » ووفاة الأستاذ الجليل ، أحد أبرز علماء الإسلاميات في الجامعة  التونسية عبد الله الخلايفي، سوى هذا التأوّه الحارق وهذا التفجّع الصادم الذي عبّر عنه الشاعر باستشهاد أحد رموز الثورة الفلسطينية.

كان عبد الله أستاذا عالما، ثبتا، واسع الاطّلاع ، متعدّد المشاغل المعرفية، جمع بين اللسانيات التي درسها باقتدار كما يشهد طلبته في القيروان، وقضايا الفكر العربي الإسلامي التي كان أحد أبرز من تخصّص فيها وأخلص لها في دروسه ومحاضراته ، وهو ما يشهد به من يعرفون معدنه وفكره وعمق تحليلاته. كان مفكرا من طينة كبار المفكرين، وكان مبدعا في شبيبته وكان أن  نشر محاولات قصصية رائدة منذ فترة الطليعة نهاية الستينات ومطلع السبعينات من القرن الماضي.

كنتَ قليل الكلام كثير التفكير، قليلَ الظهور في منتديات « الاستعراض » كثير الحضور في قلوب طلبتك وعقولهم، في ذاكرة زملائك وذاكرة الجامعة، كنت رصينا حكيما متعاليا عن صغائر الأمور، كانت عيناك تخفي منذ أن عرفتك قبل ثلاثين سنة تقريبا، حين عُيّنت مساعدا في كلية الآداب بالقيروان سنة 1989، حزنا وشعورا بالوحدة، لم أكشف سرّه إلا بعد سنين.

كنت كبيرا وستظل كبيرا، رغم كلّ ما تعرّضت إليه من ظلم، ظلم ذوي القربى ممّن لم يعرفوا قدرك بل كانوا دونه، فناقشوك في أطروحة دكتوراه الدولة بمنطق تصفية الحساب مع  من كان مشرفا عليك الأستاذ عبد المجيد الشرفي.

كنتَ عبّرتَ لي بعد سنوات كيف إنّك ظللت تشعر بالمرارة تجاه بعض « سدنة » المعبد ممّن  كانوا مقربين  من السلطة وخدمها،وممّن كانوا يجهلون معادن « الرّجال » وتقلبات الزّمان: سقط أغلبهم في بالوعة النسيان بعد ثورة الأحرار.

لم تنل حظّك من الدنيا، لم يُقيموا لك « الولائم » وأنت أفضل من يجب أن يُحتفى بهم، لم يرَك الناس في منابر  الإعلام كما يتسابق المتسلقون،كنتَ زاهدا، وما الزهد فيك جبلّة، بل هي صروف الدهر التي حرمتك من « الخلف » وأنت « الخْلايْفي »  اسما ورسما وهويّة. ما زلت أذكر كيف نصحني أحد الأصدقاء بضرورة تجنّب الحديث أمامك عن الأطفال…..

كنتَ في سنتك الجامعية الأخيرة -2016-2017- مرهقا نحيلا شاحبا، قليل الظهور قليل الكلام ، وحين كنت أسألك، لم تكن تجيبني إلا بأنّك  لم تعُد تقوى على مواصلة العمل.

كنتَ تتحامل على نفسك لتواصل إشرافك على دروس الماجستير في المعهد الأعلى للعلوم الإنسانية باقتدار ومهنية ، كنت حريصا على كل كبيرة وصغيرة رغم ما كنت تعانيه من آلام المرض وآلام الدنيا.

كنتُ على علم منذ شهور طويلة أنّ الفقيد كان في حالة حرجة، وكنت أعلم أنّه قد يضعف أمام جبروت الموت وينهار، لكنّي كنت أمنّي النفس ككلّ المحبّين والعاشقين لرموز المعرفة  بأن يتجاوز المحنة ويستعيد بعض أمارات الحياة.

انزوى في بيته منذ أكثر من سنة وامتنع عن الخروج، ثمّ ما لبث أن امتنع عن المخاطبة والتواصل، ولم تكن تصلني أخباره إلا عبر أحد أصهاره وزوجته.

انسحب في صمت، وقضى الأشهر الأخيرة في صمت، وتوفي في صمت، ودفن في صمت في مقبرة من مقابر « الرديف » بعيدا عن طلبته وزملائه وأصدقائه:

آهٍ عبد الله:

كم كنت عزيزا، وكم كنت كبيرا، وكم كنت أبيّا، وكم كنت عالما، وكم كنت حكيما، وكم كنت حليما، وكم كنت سيّدا وكم كنت سلطانا على العقول النيّرة والقلوب المحبة للخير والمعرفة.
III-

آهٍ عبد الله:

……

كم سكبنا الدّموع …حين زلْزَلنا خبرُ موتك، وكم اعتصرنا الألمُ على فقدانك.

كم كنا نحبّ كبرياءك وشموخك، كم كناّ نحبّك ، وحبّ الرّجال للرّجال قليل.

إن لم تكن الدنيا قد أنصفتك – وكيف؟ وهي التي وصفها قطري بن الفجاءة بالغرّارة الضّرارة الخاتلة الزائلة الخؤون الخادعة-  فإنّ التّاريخ سينصفك، وإنّ الجامعة بعد هدوء أمواجها الهائجة ، ستعترف لأهل الفضل بالفضل، ولأهل العلم بالعلم، وستميّز بين الزبد وما  « ينفع »، وسيعرف النّاس أنّ ما حال دون نَشْرِك للكثير من أعمالك ودرر تفكيرك إنّما هي خطوب الدّهر وعبث القدر.

عبد الله:

ستُواصلُ مسيرة الوجود وحدك، في ظلام الزمن والأبدية، لكنّ ذكرَك سيظلّ فينا طقسا أكثر قداسة من كلّ الطقوس.

وداعا صديقي بل إلى اللقاء.

 

 


فيديو لحاتم القرمازي الشّاب المسجون لأنّه إخترع صاروخ "تونس حرّة"
الرّقاب/ بالفديو: الأمن يهشّم دكّان مواطن
بالفيديو: راوية علّاقي تروي تفاصيل إعتداء القيّم العام على والدتها
وقفة احتجاجية تطالب بالكشف عن الأطراف المتورطة في قضية اغتيال الشهيد شكري بلعيد
سندس قربوج: لهذه الأسباب يصبح أبناؤنا إرهابيّين
بالفيديو: ومضة تحسيسيّة رائعة
قدماء مناضلي الاتحاد العام لطلبة تونس يهددون بطلب اللجوء السياسي
حمّه الهمّامي يروي لأوّل مرّة ذكريات 14 جانفي 2011 في دهاليز الدّاخليّة (الجزء الثالث)
حمّه الهمّامي يروي لأوّل مرّة ذكريات 14 جانفي 2011 في دهاليز الدّاخليّة (جزء ثاني)

قانون المالية :المحامون يرفضون رفع السر...

الكاف: مديرو ونظّار الإعداديات والمعاهد...

تضامنا مع الأساتذة المعلمون يضربون

قانون المالية : الابقاء على صندوق الكرامة...

الحكومة تقلص من قيمة الدعم في المحروقات في...

مشروع قانون المالية لسنة 2019 يخفض في الأداء...

حقيقة رفع دعم الدولة للمواد الأساسية

تراجع مخزون تونس من العملة الأجنبية إلى 69...

رجة بلغت قوتهـا 4.7 درجة على ضفاف شاطئ بنزرت...

الجم : تسجيل رجّة أرضية

هل تأكد العلماء أخيرا من وجود ماء على سطح...

هل تعرفون نادر المصمودي المتحصل على جائزة...

فسحة الأحد الشعرية يكتها عمار جماعي " إكتم...

فسحة الأحد الشعرية يكتبها عمار جماعي "...

السينما التونسية تتوج بجائزتين في مهرجان...

فرنسا ستعيد لبنين 26 عملا فنيا مسلوبا منذ...