Quantcast

معجزات لغة الشباب التونسي العصيّة على الفهم والترجمة بقلم د أحمد بوعزي

اللغة الفقيرة تطرد اللغة الغنية

 

يمْكنك أن تصاب بصدمة لمّا تسمع في التلفزة التونسية استجوابا لأحد مدربي كرة القدم أو أحد اللاعبين وحتى أحد طلبة الهندسة وتتساءل هل أن هذا الشخص مرّ بمقاعد المدرسة التونسية أم هو أمّيّ. فلغته فقيرة، ولا تستطيع التركيز على ما يقول لكونه يمرّ من جملة باللغة العربية إلى جملة بلغة أخرى، فلا الفرنسي يفهمه ولا العربي يستطيع متابعته ولا قوقل أو مايكروسوفت أو فيسبوك يستطيعون ترجمة ما يقول إلى أي لغة كانت.

ويمكن اعتبار ضعف قدرة الشباب التونسي على التفكير وعلى التعبير أحد مؤشّرات أزمته وربّما أهمّ أسباب مشاكله. ومعلوم أن التفكير مرتبط باللغة ولا يمكن التفكير خارج اللغة. والأديب ليس وحده من يحتاج لملكة التعبير، فالتعبير السليم أساسي كما هو معلوم في كل الميادين المهنية، فالمحامي يحرّر ويعبّر وكذلك المهندس والطبيب، هذا دون الحديث عن المسؤول في أي إدارة، كلهم يحرّرون التقارير ويحتاجون للتعبير بدقة وطلاقة. والفرنسيون يعطوننا المثل، عند تكوين المهندسين مثلا، فمادّة الفرنسية لها ضارب كبير، ويمكن أن يكون  الطالب قويا في مادة الرياضيات التي على أساسها يقع انتقاء النخبة لديهم للدراسات التكنولوجية النبيلة ولكنه إذا كان لا يتقن الفرنسية جيّدا فلن يحصل على ترتيب في المناظرة يمكّنه من الولوج إلى دار المعلمين العليا مثلا وهي أنبل شعبة علمية في فرنسا.

والحديث عن اللغة هو حديث في السياسة لأن اللغة مثل العَلَم ترمز إلى الدولة والشعب فهي تمثّل أحد رموز السيادة الوطنية كما تعبّر عن هوية الشعب وعن انتماء الفرد. إن العمل على ترسيخ اللغة الوطنية ودعمها وتعميم استخدامها هو عمل وطني يهدف إلى توحيد الشعب وتطوير الاقتصاد بتبسيط التواصل بين شرائح المجتمع، أمّا تحطيم اللغة الوطنية ومحاربتها واحتقارها وتلويثها ووضعها في درجة دنيا أقلّ من اللغات الأجنبية فهو يدخل في إطار طمس الهوية وإضعاف الشعور بالانتماء والمسّ من السيادة الوطنية والمسّ من معنويات أفراد الشعب التونسي وتهميش شرائح عديدة.

اللغة الجديدة

لقد برزت في تونس لغة جديدة، ولست أدري من وراء انتشارها والتشجيع على استعمالها، لكننا نعرف أن بعض اللوبيات المعارضة للاستقلال الثقافي حاولت ترسيخها وسمّتها اللغة « التونسية » رغم أنها ليست تونسية، لأن التونسيين يتكلّمون العربية الدارجة؛ ولغة هذا اللوبي هي طريقة تعبير تخلط بين لغتين في نفس الوقت نجدها في عديد الدول المستعمَرة حيث يقع تلويث اللغة الوطنية بمفردات وتعابير أجنبية يستعملونها بصورة خاطئة سواء من ناحية النطق أو المعنى أو من ناحية تركيب الجمل. وقد بدأت تعتمدها وسائل الإعلام الخاصة قبل الثورة بتشجيع من اللوبيات واتّبعتها القنوات الإذاعية والتلفزية العمومية بعد الثورة بتعلّة أن الشباب يعارض الانضباط التي تفرضه لغة الثقافة والمعرفة ويخيّر الحريّة التي تمكّنهم من الحديث « حسب التقريب » بصورة غير دقيقة.

والصورة التي يعطيها لغير الناطقين بالعربيه من يتكلّم هذه اللغة الهجينة هي أنه متخلّف من الناحية الحضارية، لا ماضي فكري له، فقير اللغة، ضحل المعلومات، خاوي الجعبة من المعاني العميقة ومن المعلومات الدقيقة، يغيب عن لهجته التعبير المجازي والتلاعب بالألفاظ، زيادة عن غياب الدقّة في التواصل وتذبذب الأفكار. بينما هو يعتبر نفسه حداثيّا متقدّما عن أبناء الأحياء الشعبية وعن سكّان الدواخل  . فلهجته الهجينة ستبعده عن التخلّف وتجعله متمكّنا من لغة الحضارة والعلم. وهو مخطئ طبعا. وقد يعتقد من يلوّث لغة بلاده أن الفرنسيين سوف يقدّرونه حق قدره لكن يخطئ تماما لأنهم إن أظهروا  إعجابهم أمامه فهم يعتبرونه خائنا لوطنه وعميلا لمن يريد استعمار بلاده كما قال أحد نواب البرلمان الفرنسي ذات يوم أمام الكاميرا عندما تحدّث عن « الحركة » وهم الجزائريون الدين انخرطوا في الجيش الفرنسي ضد حرب التحرير الجزائرية ونعتهم بالخونة لوطنهم عندما طلبوا من الحكومة الفرنسية ردّ الاعتبار لهم مكافاة  لما  قدموه  لفائدة فرنسا، وهذه قناعة تقال عادة سرّا بين الفرنسيين.

التخلف الغوي تخلف حضاري

وشيئا فشيئا بدأت المصطلحات العربية تتلاشى في قاموس الشباب التونسي  جرّاء هذا الخلط وأصبحوا يلجؤون إلى المفردات الفرنسية التي يجهلون معانيها الدقيقة في أغلب الأحيان للتعبير عن المفاهيم وعن المفردات التقنية، وتداعى المستوى الثقافي إلى أدنى مستوياته، وصعُبت قدرة الإقناع لديهم، وأصبحت المظاهر الثقافية والفكرية للشاب لا تعبّر عن المؤهلات الذهنية الحقيقية التي كان يمكن صقلها في المدرسة، وغابت المطالعة عن نشاطاتهم لعدم قدرتهم غلى القراءة المسترسلة بسرعة، وانحدر مستوى لغتهم إلى مستوى « الكرِيُول » لغة المستعمرات في جزر الكاريبي.

نلاحظ اليوم أنّ عديد المفكرين والمثقّفين وحتى المواطنين البسطاء الواعين يبكون حظّ العالم العربي وجزء كبير من العالم الإسلامي في تخلّفهم الاقتصادي والاجتماعي والفكري وفي كونهم مفعولا بهم وسط التحولات العالمية المتسارعة التي تقدّر فيها قيمة الأوطان بعدد براءات الاختراع التي يسجّلونها سنويا، ويلعنون القدر الذي أنزلهم إلى هذا المستوى .. والقدر براء من ذلك لآن الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم.

إن التخلّف الاقتصادي هو نتيجة التخلّف البشري والتخلف البشري نتيجة التخلّف الفكري الذي هو بدوره نتيجة التخلّف اللغوي.

ستبقى البلدان التي لا تحمي لغتها متخلفة بشريا ومفعولا بها وتابعة لدول تحترم لغتها، ولن تطوّر هذه البلدان أي شيء في مخابرها وفي جامعاتها الناطقة بالفرنسية وتعيش مستهلكة للسلع وغير منتجة لها، وسيتخلّف الانتاج الفكري والأدبي فيها وستضيع لغتها، وأقصى ما تصل إليه هو المستوى الفكري لجمهورية إفريقيا الوسطى أو جمهورية التشاد. وهناك من يريد ذلك لتونس.

 

د. أحمد بوعزّي

أستاذ الطاقات المتجدّدة وتكنولوجيا أشباه الموصّلات سابقا


فيديو لحاتم القرمازي الشّاب المسجون لأنّه إخترع صاروخ "تونس حرّة"
الرّقاب/ بالفديو: الأمن يهشّم دكّان مواطن
بالفيديو: راوية علّاقي تروي تفاصيل إعتداء القيّم العام على والدتها
وقفة احتجاجية تطالب بالكشف عن الأطراف المتورطة في قضية اغتيال الشهيد شكري بلعيد
سندس قربوج: لهذه الأسباب يصبح أبناؤنا إرهابيّين
بالفيديو: ومضة تحسيسيّة رائعة
قدماء مناضلي الاتحاد العام لطلبة تونس يهددون بطلب اللجوء السياسي
حمّه الهمّامي يروي لأوّل مرّة ذكريات 14 جانفي 2011 في دهاليز الدّاخليّة (الجزء الثالث)
حمّه الهمّامي يروي لأوّل مرّة ذكريات 14 جانفي 2011 في دهاليز الدّاخليّة (جزء ثاني)

تحقيق قضائي في وفاة 3 أطفال في تصادم سيارة...

صفحات مشبوهة تديرها شركة إسرائيلية: هيئة...

صحافيو وكالة تونس افريقيا للانباء يطالبون...

عدم الترفيع في كلفة القروض السكنية...

الجودي : الترفيع في نسبة الفائدة المديرية...

سعيدان : الترفيع في نسبة الفائدة المديرية ...

مصدر نقابي من الجامعة العامة للبنوك يعلق ...

أصوات غريبة على سطح المريخ

رجة أرضية بمنطقة القطار من ولاية قفصة،

اكتشاف كوكب عملاق خارج نظامنا الشمسي قد...

رجة أرضية شرق جزيرة قوريا من ولاية المنستير

وفاة المفكر السوري طيب تيزيني

شبه مريب بين مسلسل "المايسترو " وفيلم فرنسي...

الإصلاح في القرن التّاسع عشر في تونس : هل...

رفيف الكلام " بقلم عمار جماعي ( الخال ) "جمر...