Quantcast

هل يحنّ رئيس الجمهورية الى نظام الاستبداد ؟ بقلم علي الجوابي وعبدالسلام الككلي

بقلم

علي الجوابي

عبدالسلام الككلي

خصّص الدستور الباب الرابع للسّلطة التنفيذية وينصّ في الفصل 71 على انّ هذه السّلطة يمارسها  رئيس الجمهورية وحكومة يرأسها رئيس الحكومة ويخصّص القسم الأوّل من هذا الباب لرئيس الجمهورية فيبيّن شروط الترشّح لمنصب رئيس الجمهورية وصلاحياته و علاقته بمجلس نواب الشّعب ويتعرّض لمسألتي الشّغور الوقتي والشّغور النّهائي و لمسالة اعفاء رئيس الجمهورية » من اجل الخرق الجسيم للدستور »  ويخصّص القسم الثاني للحكومة ويتعرّض  الى مسائل ترتبط  بتكوينها واحرازها على ثقة مجلس نواب الشعب وسحب الثقة منها و يتعرّض الى صلاحيات رئيس الحكومة والى مسألة الشّغور النّهائي في منصب رئيس الحكومة والى علاقة الحكومة بمجلس نواب الشعب فهي مسؤولة أمامه والى علاقة الحكومة برئيس الدولة و يسند الى المحكمة الدستورية البتّ في النزاعات المتعلّقة باختصاص رئيس الجمهورية و رئيس الحكومة

إن اعتماد سلطة تنفيذية برأسين هو من المقوّمات الدستورية الأساسية في الديمقراطية ولاسيّما في أوروبا  الغربية سواء في النظام الملكي أو في النظام الجمهوري لكن للسّيد الباجي قائد السبسي رئيس الجمهورية موقف مخالف تماما . كيف ذلك ؟

ففي الحوار الذي  اجراه مساء يوم 24 سبتمبر الفارط  في قناة خاصة صرّح بأنّه يطالب بتغيير  الدستور وبيّن أنّه من مآخذه  على دستور الجمهورية الثانية  تقاسم السلطة التنفيذية بين رئيس الجمهورية و رئيس الحكومة معتبرا التقاسم شيئا سلبيا وحمد الله انّ في العالم ربّا واحدا ( هكذا )  وأضاف أنّه التزم بعدم تغيير الدستور ولكن أوصى بتغييره

خلال توليه رئاسة الجمهورية  إثر انتخابات 2014 تعامل رئيس الجمهورية مع رئيسي حكومة لا ينتميان الى المعارضة وهذا معطى هام جدّا يدفع مبدئيا الى الاعتقاد بأنّ علاقته بهما سيسودها الوئام التام و هما أوّلا السّيد الحبيب الصيد الذي يوصف بالمستقلّ  وقد احرزت الحكومة التي كوّنها وعرضها على مجلس نوّاب الشّعب على ثقة هذا المجلس لكن لم يجدد لها هذا المجلس الثقة  عندما طرح عليه رئيسها التصويت على الثقة في مواصلة الحكومة لنشاطها عملا بأحكام الفصل 98 من الدستور

وقد كان السّيد الحبيب الصّيد صرّح  في  حوار تلفزي أنّه سلّطت عليه ضغوطات للاستقالة  حتى يترك المجال لمبادرة رئيس الجمهورية في الدعوة لتكوين حكومة وحدة وطنية فلم يستقل و فعّل الفصل 98 من الدستور و نلاحظ أنّه خلال صيف هذا العام صدر  الأمر الرئاسي  عدد78 لسنة 2018 المؤرّخ في 6 أوت 2018 بتعيين السّيد الحبيب الصّيد وزيرا مستشارا خاصا لدى رئيس الجمهورية مكلّفا بالشّؤون السياسية

و إثر عدم تجديد الثقة  في الحكومة التي كان يرأسها السّيد الحبيب الصّيد كلّف رئيس الجمهورية السّيد يوسف الشّاهد بتكوين حكومة وحدة وطنية أحرزت بدورها على ثقة مجلس نوّاب الشّعب و رئيسها  هو ابن حزب نداء تونس الذي أسّسه رئيس الجمهورية وهذا معطى اضافي يدفع الى الاعتقاد مبدئيا بأن العلاقة بين رأسي السّلطة التنفيذية ستكون خالية من المشاكل بينهما و يسودها الوئام  لكن اثبت الواقع خطأ هذا الاعتقاد

لقد ترأّس الحكومة شخصيتان تنتميان الى نفس العائلة السياسية لرئيس الجمهورية ورغم ذلك يبدو أنّه وجد صعوبات في التّعامل معهما وخاصة مع  رئيس الحكومة الحالي المنتمي الى حزب نداء تونس و قد حمّل رئيس الجمهورية الدستور المسؤولية في ذلك  بسبب تنصيصه على أنّ السّلطة التنفيذية يمارسها « رئيس الجمهورية و حكومة يرأسها رئيس حكومة » فهو يريد  أن تكون السّلطة التنفيذية بيد شخص واحد هو رئيس الجمهورية على غرار دستور سنة 1959

لقد غيّب دستور 1959 في صيغته الاولى الحكومة تغييبا شبه تام ولم يخصّص لها قسما في بابه الثالث المتعلّق بالسّلطة التنفيذية والمخصّص كلّيا لرئيس الجمهورية و لا يتحدّث عن الحكومة بل عن أعضاء الحكومة و قد نسبها الى رئيس الجمهورية فهو «الذّي يختار أعضاء حكومته وهم مسؤولون لديه » و وضع سيفا مسلّطا على هؤلاء الاعضاء بالتنصيص على أنّ المحكمة العليا تتكوّن « عند اقتراف الخيانة من أحد أعضاء الحكومة  » و حتّى بعد تنقيحه بقيت الحكومة مهمّشة ويمكن لرئيس الجمهورية أن ينهي تلقائيا مهامها ومهام أيّ عضو منها دون رقابة عليه

لم يمنع دستور 1959 الاستبداد بل وفّر له اسبابه من خلال أحكامه ذات الصّلة بعلاقة رئيس الجمهورية بالسّلطة التشريعية وأيضا مع اعضاء الحكومة فهم مسؤولون امامه مادامت ممارستهم لمهامهم موقوفة على ارادته المطلقة ولا يخضع لأيّة رقابة دستورية فهو ظلّ الله على الأرض ومن المفارقات انّ دستور 1861 الذّي تمّ سنّه قبل قرن من دستور 1959 ينصّ في فصله الثالث من بابه الثاني على  أنّ « الملك مسؤول  في تصرّفاته للمجلس الاكبر إن خالف القانون » فهو يقبل مبدأ خضوع رئيس الدولة لأحكام القانون ويقبل مبدأ مساءلة رئيس الدولة أمام احدى مؤسّسات الدولة التي هي المجلس الأكبر

ولهذه الأسباب اتّفق النوّاب المؤسّسون في المجلس الوطني التأسيسي المنتخب عام 2011 على اعتماد نظام السّلطة التنفيذية برأسين وحرصوا على تحقيق التوازن بين السّلط و ضمان التفاعل الايجابي بينها  »  و حرصوا أيضا على وضع آليات رقابة  متبادلة بين السّلط تجنّبا للوقوع في الاستبداد  فالهدف من الدستور هو ضمان الحريّة وقد استمعت  » لجنة السّلطة التشريعية و السّلطة التنفيذية والعلاقة بينهما  » الى خبراء في القانون وعقدت  معهم جلسات استماع وقد جاء في الصّفحة 22 من تقريرها أنّ الأستاذ محمد صالح بن عيسى أفاد أنّ « تقسيم الأدوار بين رأسي السّلطة التنفيذية ليس منطق تقاسم حقائب بقدر ما يندرج في إطار تقاسم الوظائف »

ليس الاشكال في الدستور و إنّما فيمن يرفض المبادئ الدستورية التي على أساسها تمّ تحرير دستور الجمهورية الثانية و إنّ إلقاء نظرة على النظم الديمقراطية لدول الضّفة الشمالية للمتوسّط يتّضح أنّ جلّها اعتمد نظام سلطة تنفيذية برأسين و هما أوّلا رئيس الدولة ممثّلا سواء في رئيس الجمهورية أو في الملك  وثانيا رئيس الحكومة ونذكر على سبيل المثال الدولة الفرنسية التي تحتفل بمرور ستّين سنة على ختم دستور الجمهورية الخامسة يوم 4 أكتوبر 1958

لقد اعتمد هذا الدستور نظام سّلطة تنفيذية برأسين هما رئيس الجمهورية والوزير الأوّل و خلال ثمانيات وتسعينيات القرن الماضي والعامين الأوّلين من الالفية الحالية مرّت فرنسا بفترات لم يكن فيها رأسا السّلطة التنفيذية ينتميان الى نفس العائلة السياسية بل ينتميان الى عائلتين مختلفتين سياسيا وهما اليمين الليبرالي واليسار الاشتراكي فلم تكن لرئيس الجمهورية الأغلبية البرلمانية التي تخوّل له تطبيق برنامجه الذّي من أجله أنتخب بل كان الوزير الأوّل يتمتّع بالأغلبية في البرلمان ورغم هذا الاختلاف الكبير والبيّن كان سير مؤسّسات الدولة طبيعيا فالرئيس الاشتراكي المنتمي الى اليسار « فرنسوا ميتران » تعايش خلال فترة حكمه مع وزيرين أوّلين من اليمين هما « جاك شيراك  » و « إدوارد بالادور » و امّا الرئيس الديغولي المنتمي الى اليمين « جاك يراك فقد تعايش بدوره  خلال رئاسته للجمهورية الفرنسية مع وزير اوّل اشتراكي يساري وهو  » ليونال جوسبان » بعد أن سبق له بصفته وزيرا  أوّل التعايش مع رئيس للجمهورية اشتراكي

وخلاصة  القول أن ّ الباب الرابع من دستور الجمهورية الثانية المتعلّق بالسّلطة التنفيذية هو من أهم أبواب الدستور بالإضافة الى الباب السّادس المتعلّق بالهيئات الدستورية والباب السّابع المتعلّق بالسّلطة المحلّية  وإنّ الدعوة الى تعديل الدستور هي في حقيقتها دعوة  الى الرجوع الى الماضي القريب من خلال تحوير كلّي لمضمون هذه الابواب ونلاحظ أن رئيس الجمهورية لم يستعمل مصطلح  تعديل الدستور الذّي يدلّ على امكانية تنقيح بعض فصوله وإنّما استعمل في حواره المذكور اعلاه عبارة « انا اطالب بتغيير الدستور » و اوصى بتغييره وأكّد على وجوب تغييره ويدل مصطلح تغيير الدستور على سنّ دستور جديد هذا اذا افترضنا بطبيعة الحال  ان رئيس الجمهورية يدرك تماما مدلول المصطلحات القانونية التي يستعملها . ولكن لا يهم فالرؤساء  خاصة  اذا كانوا من رجال القانون يفترض فيهم المعرفة التامة الدقيقة بفصول واصول المفاهيم الدستورية الاكثر رواجا . اما اذا كان  الامر عكس ذلك  فلتونس رب يحميها

 

 


فيديو لحاتم القرمازي الشّاب المسجون لأنّه إخترع صاروخ "تونس حرّة"
الرّقاب/ بالفديو: الأمن يهشّم دكّان مواطن
بالفيديو: راوية علّاقي تروي تفاصيل إعتداء القيّم العام على والدتها
وقفة احتجاجية تطالب بالكشف عن الأطراف المتورطة في قضية اغتيال الشهيد شكري بلعيد
سندس قربوج: لهذه الأسباب يصبح أبناؤنا إرهابيّين
بالفيديو: ومضة تحسيسيّة رائعة
قدماء مناضلي الاتحاد العام لطلبة تونس يهددون بطلب اللجوء السياسي
حمّه الهمّامي يروي لأوّل مرّة ذكريات 14 جانفي 2011 في دهاليز الدّاخليّة (الجزء الثالث)
حمّه الهمّامي يروي لأوّل مرّة ذكريات 14 جانفي 2011 في دهاليز الدّاخليّة (جزء ثاني)

بوحجلة : القبض على عصابة مختصة في السرقة

سوريون يواجهون تعقيدات إدارية في تونس

جنوح عربة بالقطار 6 / 51 المنطلق من تونس في...

وجود بوادر طيبة في إطار المفاوضات بين اتحاد...

حقيقة رفع دعم الدولة للمواد الأساسية

تراجع مخزون تونس من العملة الأجنبية إلى 69...

تراجع جديد للاحتياطي الصافي من العملة...

الزيادة في سعر الحليب على مستوى الإنتاج

رجة بلغت قوتهـا 4.7 درجة على ضفاف شاطئ بنزرت...

الجم : تسجيل رجّة أرضية

هل تأكد العلماء أخيرا من وجود ماء على سطح...

هل تعرفون نادر المصمودي المتحصل على جائزة...

فرنسا تطلق إسم الأديب الجزائري ''كاتب ياسين'...

وفاة الكاتب والمفكر المصري جلال أمين

وثائق أسطرلاب: ردّ الكاتب الروسي الشهير...

كركوان البونيّة .. أو بقايا الرّوح بقلم يوسف...