Quantcast

وزير التربية وأمثولة البوم والصيّاد ! بقلم خالد كرونة

 

لا يختلف عاقلان في اعتبار ما آل إليه وضع المدرسة التونسيّة من تدهور ، مثلما بات من نافل القول إنّ ضبابا كثيفا يخيّم على مآلات ما صار ـــ إعلاميّا ـــ يُعرف بـــــ »أزمة الثانوي » . ويقتضي الإنصاف الإقرار بأنّ المدرسة عليلة منذ أمد بعيد ، ومن السخف فصلُ ما تعانيه عمّا نراه في النقل أو الصحة أو سائر القطاعات الخدميّة .

وتتلخّص معطيات الواقع كالتالي :

1ــــــ شباب تلمذيّ محبط لا يرى الأفق ، يستوطن الشوارع لهوا أو غضبا. وهنا لا بدّ من التشديد على نباهة الجيل الجديد وعلى براجماتيّته أيضا ، فجلّ التلاميذ يعون تماما ـــ مثل مرضى المستشفيات ـــ أنّ العيب الأكبر ليس في الطبيب(أي الأساتذة رغم ما يعتري هذا الجسم من علل مستحكمة أيضا) بل في المنظومة برمّتها ، ولذلك لم نرهم في « مظاهراتهم » توجهوا إلى دور الاتحاد بل إلى المندوبيّات رغم محاولات التوظيف من هنا و من هناك .

2ـــــــ المشرفون على المعاهد (النظار و المديرون و المرشدون التربويون وسائر الطاقم) يديرون « اليوميّ » بلا بوصلة ، فهم لا يعرفون كلّ صباح كيف سيكون « اليوم المدرسي » .. حيرة لا تبدّدها جهة ولا يمكنها أن تفعل. إنّها قمّة الفوضى ، والمساكين لا يفعلون غير محاولة تخفيف الأضرار بتوفير بعض « المناخات » الممكنة لإنجاز عدد ضئيل من الدروس و حماية المؤسسات من عبث العابثين، أي تقليل الخسائر .

3ــــ العائلات التي وجدت نفسها بين المطرقة والسندان ، والحقيقة أنّ مسؤوليّة كبيرة تقع على عاتقها لأنّ المؤشرات المنذرة بالإعصار لاحت منذ الموسم الدراسيّ السابق ، ولكنّ تراجع الأساتذة في الأسابيع الأخيرة و تأمين امتحانات ( شكليّة بلا قيمة علميّة أو بيداغوجيّة) خلق لدى المجتمع حالة من « الارتياح » وربّما بعض « النكاية » في أوساط محدودة فلم تنهض فعاليات المجتمع إلى استباق السنة الجارية و الضغط عبر الوسائط الممكنة لخلق حالة من « السلم المدرسي » .

4ــــــ إطار التدريس الذي يشعر هو الآخر بالضبابيّة ، وهو عموما أصناف :

*الأوّل (حمدا لله أنّه القلّة) يحاول الاستفادة من تعفّن الوضع لبيع وهم « الإنقاذ » عبر دروس خصوصيّة يحمل عليها تلامذته حملا ، وهؤلاء مثل الأعرابيّ زمن الفتنة الكبرى الذي كان يأكل عند معاوية و يصلّي وراء عليّ، فلمّا سئل قال : « الطعام عند معاوية أدسم، والصلاة وراء عليّ أقوم ، والهروب من الحرب أسلم » .

*الثاني (نقدّر أنهم في الأقصى ربع الأساتذة) يتوجسون ممّا يجري ، آلمتهم إجراءات الاقتطاع من رواتبهم وشعروا بخيبة الأمل بعد تحركات السنة الماضية ، اهتزّت ثقتهم ب »النضال » فتسللوا إلى القاعات يقاطعون المقاطعة، ويسلّمون « سرّا » أعداد تلامذتهم إلى الإدارة (قبل زمن المنصات) و يكابدون نظرات المتعلّمين المخلبيّة وهمساتهم التي تنالهم بكلّ صنوف التعريض .و عدد كبير منهم يشترك مع الصنف الأوّل في « التثمير » الجشع . وهؤلاء سيكونون في مقدّمة المستوضحين والمدقّقين بعد أن ينجلي « الغبار » و تتحدّد بعض مفاعيل اتفاق محتمل.

*الثالث ملتزم بالمسار « النضالي » ، يعتبر أنّ كلّ الوسائل مشروعة لاقتلاع « مكاسب » وأغلب هؤلاء صار إلى ضرب من « الحميّة » القطاعيّة العمياء حتّى إن كان مستوى الالتزام النقابيّ لديهم محدودا ، ولكنّ ضيق الحال وشعور التهميش حشّداهم في هذه « المعركة » وأضحوا يرون أنفسهم « جيشا » يقاتل لاستعادة كرامة مهدورة والثأر من وزارة تجاهلتهم وعاملتهم بصلف، دون وعي بأنّ الأزمة أبعد من أزمة قطاع ، إنها أزمة منوال .

*أمّا الصنف الرابع، فهو الذي يرى هذه « المعركة » ليست بمعزل عن وعي عام بالعفن، يشترك فيه الفلاح وصاحب المشروع الصغير و الموظف و الأجير ، هي منظومة اجتماعيّة ـــ اقتصاديّة اهترأت وبلغت النهاية وعبثا يحاول أصحاب السلطة الذود عنها خدمة لمصالح أوليغارشيّة ريعيّة ـــ مافيوزيّة تمتص دم البلد و تُعدم في شبانه الأمل . وهذا يعني أن هذا الفريق من الأساتذة يدركون أنّ مطلب « إصلاح منظومة التعليم » (تطوير المناهج وإعادة النظر في الزمن المدرسي و الضوارب و أشكال التسيير و الوسائل البيداغوجيّة وقضايا التوجيه ومسائل التقييم …الخ) مجرّد شعار تعبويّ رغم وجاهته المطلقة لسبب بسيط ، هو أنّ حكومة تعجز عن التسيير لايمكنها أبدا إجراء إصلاحات عميقة خاصة أنّ تغيير « المنوال التربوي » لا يمكن ــــ موضوعيّا ـــ أن يتمّ في ظلّ الاحتفاظ بذات المنوال الاقتصادي الذي سارت عليه الدولة منذ قيامها في 1956 والذي قامت انتفاضة 2010 ــ 2011 ضدّه .          إنّ إصلاح التعليم مهمة مؤجلة ما دامت النخب الحاكمة « قديمة » و »لئيمة » وما دامت الطبقة السياسيّة في غالبها (يمينا و يسارا) جزءا من النظام القديم، محدودة النظر، مسكونة بعلل الاختصام القديمة، لا تفكّر بغير « الظفر » بمواقع و مناصب ضمن منظومة فاسدة .

5ــــــ الاتحاد العام التونسي للشغل ، وهو طرف رئيسيّ لا فقط لأنّه أهمّ تعبير عن حيويّة المجتمع المدنيّ بل لأنه جسمه الرئيسيّ ، وفي ظروف التصحّر السياسيّ وعقم النخب، وتعاظم الأزمات ، ولأنّ الطبيعة تأبى الفراغ، بات الاتحاد قوة تعديليّة مهمّة تناوش الدولة وتحفظها في آن ، ولكنّ المنظمة محكومة بتوازنات داخليّة وبإكراهات منها « حسابات » المستقبل داخليّا ، غير أنّ هذا لا يعفيها في رأينا من قدر من المسؤوليّة .فضغط القيادة في آخر السنة الدراسية الفارطة على هياكل الثانوي في « يوم القبل » لقي استحسانا لدى الرأي العامّ ولكنّه أضرّ إضرارا شديدا بالسنة الجارية لأنّ متابعة الملفّ بعد « الحلّ المؤقت » لم تتمّ بدرجة المسؤوليّة التي كانت مطلوبة، وأوحى بأن القيادة لعبت فقط دور « الإطفائيّ » الذي أخمد مؤقتا الحريق دون السعي جدّيّا إلى انتزاع ــــ وإن إلى أمد ــــ فتيل الأزمة.    بل إنّ المواقف التي عبّرت عنها هذا العام ، تراكم ــــ إجمالا ــــ نفس الأخطاء ، لأنّ التعلّل بأنّ مقاطعة الامتحانات ليس شكلا « نضاليّا » رغم وجاهة ظاهرة يسقط أمام معطيات الواقع ــــ وهي أعلم بها ــــ لأنّك لا تملك أن تحافظ على قواعد اللعبة « نظيفة » في لحظة سياسيّة متعفنة، تحوّلُ مبالغ ضخمة فيها إلى جيوب الفاسدين تحت عناوين « المصالحة الاقتصادية » وتباع فيها أوهام الانتعاش بعقد « مؤتمر الاستثمار » و تتمّ إعادة رسملة البنوك التي أفلسها الفاسدون دون أن يلاحقوا . دولة الفساد والإفساد ، لا تدع مجالا لصراع اجتماعيّ تسيّجه الضوابط المعروفة والناس يرون ملايين الدنانير تتبخّر من الوزارات ( تمويلات مرصودة بالملايين للإصلاح التربوي) ويرون ملايين تُحوّل إلى جيوب بعض أصحاب النزل الخاصة و يقرؤون تقارير مفزعة عن الفساد صادرة عن دائرة المحاسبات، وتساهلا غير مسبوق مع أعلام في هدر المال العامّ …

6 ـــ وزارة التربية التي نقدّر أنّها توهّمت آخر السنة الماضية أنّها « صرعت » النقابة المشوّشة ، و أنها سحبت منها بعد موقف المركزية بعض المصداقيّة، وأضعفت قدرتها على الحركة بعد اقتطاع مبالغ كبيرة من مرتبات الأساتذة ،ولكنّها تفاجأت بأشكال « خلاقة » غير مألوفة (مقاطعة الامتحانات) والأهمّ أنها تفاجأت بقدرة « المشاغبين » على التحشيد وعلى التعبئة مثلما تفاجأت بأن حبل الودّ لم ينقطع بين الهيكل القطاعي وبين القيادة المركزية.         وصار السيد بن سالم رأس الوزارة عبئا على حكومة منهكة ، فهو القادم من كهف الجنرال الخرب، يعود إلى مكتبه قبل القيامة الديسمبريّة ويتوهّم أنّ  » حكمته » و »برودة دمه » وربّما بعض مكره النوفمبريّ كاف ليطوّق أزمة استفحلت . وها هو يتخبّط بعد أن قامت ضدّه إحدى أكبر المظاهرات في تاريخ تونس منذ أسابيع، صلفه وسوء تقدير حكومته جعلاه يقطع منذ أمد بعيد التفاوض مع أساتذة الثانوي و رهانه على شقّ صفوفهم بات من الماضي، وتأييد الشعب أضحى وهما لا سبيل إلى إدراكه، وسياسة التضليل التي اعتمدها أفضت إلى فشل ذريع، والتعويل على الأذرع الإعلاميّة أضحى وهما.

فلا عجب أن يبدو معاليه مرتبكا ، يجفاه النوم ، تخبر تصريحاته أمس 22 جانفي 2019 عن المسائل الأساسيّة التالية :

ـــــــ يدرك الرجل أنّ أيّ « حلّ » سيستتبع ضرورة خروجه مجدّدا مدحورا للمرّة الأخيرة من ذات المكتب. (وهو ما تومئ إليه التلميحات ، وأنّ ذلك سيمثّل « نصرا » كبيرا رمزيّا لجامعة الثانوي وللاتحاد)

ــــ مغادرته فيما رشح صارت مطروحة داخل دوائر الحكم والمقربين منها ، ولا نظنّه الوحيد الذي سيغادر ..

ـــــ إقراره أنّ سلفه « جلول » كان يخصص « منصة » للثلب وللتشويه ضاعفت ثقة الأساتذة في هياكلهم ، فقد كان عدد كبير منهم يرون أن مطالبة النقابة برحيل « جلول » وشعار « كرامة المربي » في غير محلّها . أمّا تصريح بن سالم، فقد قطع الشكّ باليقين و أثبت أنّ المطلب القديم كان مشروعا . ولكنّ حضرته لم يخبرنا إن كان قد حاسب وعاقب هذيْن الموظفيْن .. أم أنّه تستّر على هذا الفساد ( وسواه) حتّى طعنه تصريح « الاستراتيجي » (جلول) حين سحب منه صفة الجرأة ( وربما كان جلول على علم بقرار إنهاء بن سالم كجزء من الحل) .

ـــــ مواصلة التضليل ،فاللجنة البرلمانيّة أكّدت للمعتصمين أمس (في بهو الوزارة) أنّ معالي الوزير ـــ خلافا لما يدعيه ــــ ما زال يريد أن يرفع الفيتو ضدّ اشتراك الكاتب العام في المفاوضات . ومن جهة أخرى يقع في الشعبويّة التامة حين يدعو إلى مفاوضات تنقلها الوسائل الإعلاميّة . هذر رجل انتهى .. كبّر عليه أربعا .

ـــــ الاستنجاد بمعاجم « الصاهل و الشاحج » و « كليلة ودمنة » واستدعاء المثل الشعبيّ حول البوم والصيّاد يعني أنه درى أنه صار صيدا فنعت زميله السابق بـــــ »البوم » وغفل عن قصّة البوم والغربان في ماضي الأزمان. رهط من « رجال دولة » أفذاذ ، وصورة مشرقة ــــ بلا شكّ ــــ لدكتور القانون !

زعم ابن المقفع أنّ الحواتم (الغربان) كانوا ألفا في مملكة وأنّ مملكة البوم (في جرأة) أغارت عليهم فقتلت و سلبت. وكان من الغربان حكيم طلب إلى صحبه أن ينتفوا ريشه و لجأ إلى مملكة البوم جاسوسا . فلمّا نبت ريشه و نما علمه بأحوال البوم طار إلى ملكه ،فقال :  « إن البوم بمكان في جبل كثير الحطب، وهناك قطيع من الغنم مع رجل راعٍ، ونحن مصيبون هناك نارا ونلقيها في أوكار البوم وبيوتهن ، ونقذف عليها من يابس الحطب ونتراوح عليها ضربا بأجنحتنا حتى تضطرم النار في الحطب فمَنْ خرج منهن احترق ومَنْ لم يخرج مات بالدخان موضعه .
ففعل الغربان ذلك ، وأهلكن البوم قاطبة ، ورجعن إلى منازلهن سالمات آمنات » .

أمّا الحريق الآن ففي بيوتنا ، يطال أحلام الأبناء بعد أن أضرمت فيها غربان البلد نار اليأس . وأوّل ما ينبغي للعقلاء فعله، معالجة مطالب الأساتذة العاجلة بسرعة ، وإبعاد الغراب والبوم معا، ووضع آليّة جدّيّة تقدّم تصوّرا فعليّا لإصلاح ما يمكن إصلاحه في مملكة الخراب هذه. بيد أنّ الوجه المشرق الوحيد في هذه الأزمة ، هو الدربة على المواطنة في صفوف عدد غير قليل من الشباب التلمذي ،القلب الذي ظلّ نابضا في هذا الجسم العليل.    إنّ مستقبل التعليم لن يرسم ــ كما أسلفنا ــ دون منوال جديد اقتصادي اجتماعيّ و ثقافي و تعليمي وإعلامي. وحال الابتدائيّ وأوضاع الجامعات ، وحال المستشفيات و خدمات النقل المخجلة خير دليل على أنّ « علاج الضرس المسوّس قلعه » كما كتب ابن المقفع ذات مرّة.

 

خالد كرونة ـــ كاتب من تونس


فيديو لحاتم القرمازي الشّاب المسجون لأنّه إخترع صاروخ "تونس حرّة"
الرّقاب/ بالفديو: الأمن يهشّم دكّان مواطن
بالفيديو: راوية علّاقي تروي تفاصيل إعتداء القيّم العام على والدتها
وقفة احتجاجية تطالب بالكشف عن الأطراف المتورطة في قضية اغتيال الشهيد شكري بلعيد
سندس قربوج: لهذه الأسباب يصبح أبناؤنا إرهابيّين
بالفيديو: ومضة تحسيسيّة رائعة
قدماء مناضلي الاتحاد العام لطلبة تونس يهددون بطلب اللجوء السياسي
حمّه الهمّامي يروي لأوّل مرّة ذكريات 14 جانفي 2011 في دهاليز الدّاخليّة (الجزء الثالث)
حمّه الهمّامي يروي لأوّل مرّة ذكريات 14 جانفي 2011 في دهاليز الدّاخليّة (جزء ثاني)

إصدار بطاقة إيداع بالسجن في حق عون الحرس ...

القصرين : إختطاف عون من المحكمة العقارية...

الإفراج عن الرهائن التونسيين المختطفين في...

قضية أيوب بن فرج : " تدخّلات من وزارة...

بدية من اليوم حارة العظم ب 900مليم

البنك الدولي يتوقع تباطؤ نمو الاقتصاد...

كيلوغرام اللحم قد يصل إلى 30 دينارا

الحكومة تقلص من قيمة الدعم في المحروقات في...

رجة أرضية شرق جزيرة قوريا من ولاية المنستير

ظاهرة فلكية نادرة تجمع الزهرة والمشتري في...

الخسوف الكلي لقمر" الذئب الدموي العملاق "...

خطوة علمية غير مسبوقة : الصينيون يحملون...

رحيل الأديب محمد الهادي بن صالح

الروائية سعاد الفقّي بوصرصار : الخطاب...

فسحة الأحد الشعرية يكتبها عمار جماعي ....دون...

اكتشاف مقبرة فاطمية تعود إلى القرن الـ 4...