Quantcast

وطن بلا حسك بقلم حكيم مرزوقي

غريب أمرها سمكة السّلمون، محيّر ومدهش إلى حدّ الإعجاز, إنها تقطع آلاف الأميال في أعماق البحار والمحيطات، تغالب التيّارات والأعاصير، تجازف أمام شبكات الصيّادين ولا تقتات إلاّ بما تزوّدت به في أوّل الرحلة لتعود إلى مسقط رأسها عند فروع ومنابع الأنهار التي انطلقت منها.
تضع بيضها في المكان الذي ولدت فيه بدقّة بالغة ثمّ تموت.. ويفتح بعدها الأبناء عيونهم وهم يرقات على جثمان أمّهم المسجى أمامهم وقد أدّت رسالتي الأمومة والوطن بأسطرة ساحرة.
يحدث هذا الأمر منذ آلاف وملايين السّنين دون أن يضطرّ سمك السلمون أن يكتب قصائد في تضحيات الأم أو ينظم أناشيد في قيمة الوطن, يحدث هذا في غياهب البحار وتحت عيون الله قبل مجاهر العلماء.
اعتدنا المشاكسة على المفاهيم والمسلّمات كلّما أمعن الآخر ون في تصنّع احترامها، وبالغ في تقمّصها إلى درجة الاستعراض والفذلكة، لكننا لا نتجرّأ يوما على مفهومي الأمومة والوطن، لا لخوف أو مسايرة، بل لرهبة سكنت روحنا.. روحنا التي ولدت عارية إلاّ من كساء الأم والبلاد.
أعترف أنّي كنت أوسوس لنفسي أحيانا هامسا: أغلب هذه الصبايا من محتشمات ومتبرّجات ومنقبات وسافرات، سوف يصبحن يوما أمّهات بمنطق الطبيعة وسنّة الحياة وبفضل آباء معروفين أو مكتومين وعن رضاء أو اغتصاب.
هل للغيلان والطغاة والأوغاد أمّهات؟!هل تهدهدهنّ وتحنّ وتضحّي لأجلهنّ؟
ما حقيقة أنّ أنثى طير حقنها علماء بمادّة عضويّة من أنثى أخرى لها فراخ فصارت تحنّ عليهم تماما كأمّهم وربّما أراحت الأخيرة من عناء تدبير قوت أطفالها!!؟
ما حقيقة « المابا » أو امكانيّة التوصّل إلى زرع رحم حاضن في بطن رجل كما قرأنا في صفحات المجلاّت؟!,هذا عداك عن السّماح للمثليين في هولندا بتبنّي الأطفال.
ما حقيقة قصّة الأغنية العراقيّة التي ترفض فيها الأم إرضاع طفلها لأنّه لم يأت من صلب حبيبها الذي حرمت منه…أغلب الظنّ أنّ كاتب كلماتها رجل جاهل بالأمومة..
سرعان ما انجلت من فوق رأسي هذه الأسئلة السوداء عندما لمحت هذا الصّباح طفلة تحضن دميتها في طريقها إلى الحضانة ترافقها أمّها الحامل و خلفها جدّتها التي لم تكن حاملا
أحببت هذا « القطار الأمومي »الرائع وتذكّرت كيف كنت أكره المدرسة في طفولتي بسبب مدرّس جلاّد, و أذكر أنّي قلت لأبي متحجّجا: سأبقى إلى جانب أمّي لأنّهم قالوا لي في تلك المدرسة البعيدة « الأم مدرسة »..فدعني يا أبي أكتفي بمدرسة واحدة.
لم يكن أبي ـ المتعلّم ـ يمانع في تركي مقاعد الدراسة ولكنّ أمّي –الأمّية ـ هي التي استشرست في إعادتي إلى أمّي الثانية وهمست لي: أريدك أن تتعلّم لتقرأ لي تلك الكتب المكدّسة في البيت يا بني.
« بعد الأم احفر وطم »:عبارة قالتها لي عجوز جاءت تعزّي بوفاة أمّي، لم تكن تلك العبارة تحمل جرعة من الصّبر والسلوان ولعلّها جانبت حكمة المعزّين في مثل هذا الموقف وزادت من يتمي ولكنّها خفّفت من حرقتي بعد وفاة الوالد.
الآن, وكلّما عدت إلى بيتنا البعيد، نفضت الغبار عن تلك الكتب المكدّسة في الزاوية وبدأت في قراءتها بصوت عال لعلّ أمّي تسمعها في عليائها فأكفّر عن ذنبي و ذنوب شقيّة وصغيرة في الطفولة حين كنت أقرأ لها من القرآن ليلة المولد أو القدر ما تيسّر من قصار السور مقابل بعض النقود، وكنت أغشّ وأستعجل في القراءة كي أخصّص الوقت المتبقّي في اللّعب مع أترابي.
الآن, و كلّما تذكّرت هذه الحادثة هبّت أنفاسها في وجهي نسمة ربيع وزادت من تعلقي ببلاد أنبتت مع الزيتون والبرتقال حنّبعل وابن خلدون والشّابي الذي قال يوما على لسان الأرض:
(فلا الأفق يحضن ميت الطيور*ولا النحل يلثم ميت الزهر
ولولا أمومة قلبي الرؤوم *لما ضمّت الميت تلك الحفر.)
لم تكن أمّي تهتمّ أنّ للأمّهات عيدأ, ولكنّها ـ ومن كثرة ما أحبّتني ـ سكنت حفرة في الأرض وقبلت منّي بعد رحيلها هديّة واحدة عند قبرها: وهي تلاوة ما تيسّر من قصار السور.. ثم المضي إلى الكثير من العمل والطويل من الأمل


فيديو لحاتم القرمازي الشّاب المسجون لأنّه إخترع صاروخ "تونس حرّة"
الرّقاب/ بالفديو: الأمن يهشّم دكّان مواطن
بالفيديو: راوية علّاقي تروي تفاصيل إعتداء القيّم العام على والدتها
وقفة احتجاجية تطالب بالكشف عن الأطراف المتورطة في قضية اغتيال الشهيد شكري بلعيد
سندس قربوج: لهذه الأسباب يصبح أبناؤنا إرهابيّين
بالفيديو: ومضة تحسيسيّة رائعة
قدماء مناضلي الاتحاد العام لطلبة تونس يهددون بطلب اللجوء السياسي
حمّه الهمّامي يروي لأوّل مرّة ذكريات 14 جانفي 2011 في دهاليز الدّاخليّة (الجزء الثالث)
حمّه الهمّامي يروي لأوّل مرّة ذكريات 14 جانفي 2011 في دهاليز الدّاخليّة (جزء ثاني)

إحالة شفيق جراية من اجل تهم تتعلق بأمن...

شفيق جراية رهن الايقاف على ذمة القضاء...

بيان الاتحاد حول مقاومة الفساد

القليل : تم التخلص من ملفات فساد تورّط كبار...

وزير الماليّة ينفي خبر الزيادة في الأداء...

القائمة الإسمية لرجال الأعمال و الشركات...

القائمة الإسمية لرجال الأعمال و الشركات...

هل هو الإثنين الأسود ؟

مصر : الكشف عن مقبرة تضم 17 مومياء بينها 13...

اكتشاف اثري ضخم في الاقصر

مهندس صيني يبتكر أول بديل عن الزواج والحاجة...

إنسان بلا ذكريات سيئة : : تقنية جديدة مذهلة...

وتتوالى الاستقالات في وزارة الثقافة :...

حجز نسخة توراة نادرة منسوخة بخط اليد على...

عبدالجليل التميمي : رسالة إلى وزير الثقافة ...

رحم الله الممثلة القديرة خديجة بن عرفة